شَغَل تلاميذ صفوت الشريف- موافي سابقًا- الدنيا وملؤوها ضجيجًا وطبلاً وزمرًا وتهليلاً لزيارة وزيري الدفاع والخارجية الروسيين للانقلابيين وكأنهم قد أحضروا الدب الروسي من ذيله أو فتحوا عكا التي ترزح تحت الاحتلال الصهيوني.
وكل ما في الأمر ببساطة واختصار شديد أن أمريكا- راعية الانقلاب لصالح المدللة "إسرائيل"- ليست وحدة واحدة أو على قلب رجل واحد، فهناك شركاء متشاكسون يؤثرون في اتخاذ القرارات، ومنهم: البيت الأبيض ومجلس الشيوخ ومجلس النواب والمنظمات الشعبية والحقوقية وجماعات المصالح والضغط، لكن أخطر وأهم من يسير أمريكا ويرسم سياساتها هو مؤسسات الدولة الأمريكية العميقة، وفي مقدمتها وزارة الدفاع “Pentagon” والمخابرات المركزية“C I A”.
وقد دبرت هذه المؤسسات مؤامرة الانقلاب في مصر تمامًا كما فعلت من قبل في العديد من دول العالم، كما سنبين في مقال لاحق إن شاء الله تعالى، لكنها تتعرض لضغوط من الشركاء الآخرين في إدارة الدولة نتيجة تخليهم عن قيمهم المزعومة المنادية بدعم الحرية والديمقراطية، حتى إنهم في لحظات تجلٍّ سابقة أصدروا قانونًا في الكونجرس يقضي بحظر دعم السلطات الانقلابية في دول العالم، ومن هنا كان التردد الرسمي بوصف ما حدث في مصر في الثالث من يوليو بأنه انقلاب حتى لا يضطروا لقطع الدعم الرسمي المعلن والمتمثل في المعونة السنوية، وإن كان هذا لا يمنع من تقديم أضعافه مضاعفة عن طريق الحلفاء الذين يأتمرون بأمرهم.
وأعتقد أن تلك المؤسسات الأمريكية العميقة أرادت الضغط على المؤسسات المناوئة- مدعية الحرية وحقوق الإنسان إلخ من تلك الأسطوانات المشروخة- بإيهامها أن مصر ستخرج عن طوعهم إلى أحضان الدب الروسي وسيفقدون حليفًا إستراتيجيًّا في المنطقة؛ مما يؤثر سلبا في مصالحهم السياسية والاقتصادية، والأخطر من ذلك أنه قد يشكل خطرًا على طفلهم المدلل وأعني به الكيان الصهيوني، ومن ثم تسارع تلك المؤسسات لغض الطرف وإطلاق يدهم ويد عملائهم الانقلابيين للبطش والتنكيل بالشعب المصري الحر الرافض للانقلاب والمطالب بحريته وكرامته، ولهذا كان عليها أن تؤلف وتنتج وتمثل وتخرج هذا الفيلم الروسي وهم أساتذة في هذه المهنة ولهم باع طويل في إخراج المسرحيات والأفلام الهوليودية التي تحقق العديد من الفوائد لأطراف عديدة.
وفائدة هذا الفيلم للدولة الأمريكية العميقة تتمثل في إعطائها ضوءًا أخضر أو تفويضًا لإنقاذ مصر- العملاء الانقلابيين- قبل فوات الأوان، وتقديم كل الدعم المفتوح لهم.
وأما فائدة هذا الفيلم للمافيا التي تتحكم في الدولة الروسية فهي الأموال، وهي كعادتها تبحث عن الكسب السريع من أي مصدر بقطع النظر عن القيم والمبادئ، ولا شك أن ما هو معلن فقط 4 مليارات دولار ثمن أسلحة تمولها دولة تابعة لأمريكا يسيل له اللعاب.
وأخيرًا، فائدة هذا الفيلم للانقلابيين هي الأهم؛ حيث يظهرون أمام قطعانهم التي لا عقول لها بمظهر الأبطال الوطنيين الذين لا ينكسرون أمام الضغوط الأمريكية، وبخاصة بعد أن تراجعت شعبيتهم في ظل انفلات أمني وغلاء فاحش وأزمات معيشية خانقة ستجبر من لا يحملون همًّا سوى همّ بطونهم على الانفجار في وجه هذه الطغمة العميلة المحتلة لمصرنا الحبيبة.