تتحرك كرة الغضب في مصر الثورة بسرعة كبيرة في وجه الانقلاب العسكري الدموي، وتتعدد جبهات استهدافه، سواء من مربع الثوار الأحرار الذي يتزايد كل يوم، أو مربع أنصاره، الذي يقل كل يوم، في انتظار تطور ميداني حاسم لثورة الشرعية والكرامة .
وقد لجأ الانقلابيون لتغيير خططهم، كما يبدو، في بعض المواقف التي تفضحها زيارات الحج المتتالية إلى الإمارات وأشياء أخري، لكنها خطوات مفضوحة، فالتسريبات والصراعات الداخلية على تقسيم "كعكة الوطن" والصدمات الانقلابية المتوغلة في الغباء والأخطاء القاتلة للانقلابيين لها مفعول قوي في إفشال المخططات الإجرامية للانقلاب من الداخل فضلا عن الصمود الثوري المبهر والانتشار الواعي للثوار .
وتبرز الحاجة، إلى هذا التطور الميداني، الذي لا نعول فيه على الوقت كثيرًا، فالثورات كما تأتي فجأة تنتهي بسرعة خاطفة، لا يتوقعها الطغاة، ولا حتى الأحرار، فذلك من تدبير يد العدالة القاهرة التي نتلو في كتابه الكريم قوله عز وجل: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وهو ما تحدثنا عنه باستفاضة أكثر في مقالنا "ساعة صفر إسقاط الانقلاب".
وبرأينا يمكن أن نبني التطور الميداني الحاسم للثورة على أعمدة أربع هي: "الوعي.. الانتشار.. الابتكار.. الصبر"، وهي عناوين لمضامين مهمة في خارطة الحسم، تحتاج إلى اعتبار كل مصري حر أو مصرية حرة، إنه ثورة بمفرده، تتحرك على الأرض، وتحمل الخير للجميع بمن فيهم من أخطأ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ". رواه البخاري، وفي رواية أخري: "فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ ؟ قَالَ: "تَحْجِزُهُ عَنِ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ".
إن الوعي الثوري في هذه اللحظة الفارقة، يستلزم انتشارًا واسعًا بين أطياف المجتمع، لاستقطاب القطاعات غير المسيسة المتضررة من الانقلاب، مع تجميع المسيسين أصحاب الأيدي البيضاء المصدومين مما حدث بعد 3 يوليو، وابتكار لوسائل الحسم الميداني وشل الانقلابيين وهزيمتهم ميدانيًّا عبر وسائل قيادية لا مركزية تراعي الضوابط والسلمية وتنتهج أساليب قهر للعنف وكسر للبلطجة معجونة بالسلمية المبصرة، مع صبر تام على نضوج الوعي وتمكنه من القطاع اللازم لإطلاق ساعة الصفر .
إن باب ثورة الشرعية والكرامة، مفتوح، لمن أبصر الطريق، وربما ملتحق متأخر، يحمل معه مفتاحًا للنصر، خير من راكب من أول محطة، أقعده تعجل قطف ثمار الفوز مبكرًا أو محدودية إبداعه، وهو ما يعني أن نواصل الجهد في كسب أكبر قطاع ممكن، فالأمر ليست عودة الشرعية الدستورية واحترام إرادة الشعب فحسب، ولكن إنه بداية صعود وطن ومواطن في تاريخ البشرية بعد تخلصه من بقايا الاستعمار والاستحمار والاحتلال والتبعية بحسم ثوري كامل بإذن الله .
وهنا يجب على الجميع أن يجتهد في مكانه، أو في ضوء حدود انتشاره، في أن يشكل ملامح ميدانية مبتكرة للفعل الثوري الميداني، تتلافي ثغرات التطور الثوري الطبيعية، وتصنع حالة إرباك لقادة الانقلاب، وتشل إرهاب جنودهم، وتنساب بصورة ناعمة إلى مراكز قوة الانقلاب، تجتبي منها المتقين المحبين للوطن، وتجرس الفاسدين المحبين لعدو الوطن.
قد تكون فكرة واحدة تأتي من أقصى جنوب مصر، أو شمالها، كفيلة، بإحداث الحسم الثوري المطلوب، فالرؤى والإستراتيجيات توفر الطريق، ولكن الأفكار المبدعة وحدها كفيلة بتوفير وسائل النقل الايجابي على هذا الطريق الوعر المنتشر على جنباته أعداء النجاح، وقطاع الطرق ولصوص الأصوات والقتلة والأفاقين .
إن التطور كذلك يتطلب حُسن قيادة الحراك الميداني على الأرض، في ضوء مظلة القيادة السياسية الثورية للحراك ممثلة في التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب وحركاته النابعة من قوى المجتمع المدني، بما يشكل تروسًا متناغمةً في آلة ثورية تتحرك نحو الهدف المنشود لكل المصريين الأحرار .
وإن رعاية ضحايا البؤر الملتهبة التي يشعلها الانقلاب بغبائه أو بعجزه، كفيلة بكسب أراضٍ جديدة لثورة الشرعية والكرامة، فهذه بؤر مستعدة لتقديم جهودها لتحقيق أهدافها الخاصة المتقاطعة بشكل أو بآخر مع مطالب ثورة 25 يناير وموجة استكمالها الحالية .
ويجب أن نعلم جميعًا أن التطور الميداني الحاسم سيواجه بعراقيل أشد، واختبارات جديدة، ولكن يجب أن نتمسك بعون الله ثم بأعمدتنا الأربعة "وهي انتشار ابتكار، صبر بقوة، مع استمرار المضي في طريقنا المحددة أهدافه المعروفة نتائجه ولو بعد حين" .
إن النصر مسألة وقت، بإذن الله، فلم يدم انقلاب، ولم يستمر استبداد، ولم تهزم ثورة حق، ولم يخسر شهداء في التاريخ دماءهم، والأيام تتداول ولكن هذه المرة بسرعة بعد أن أصر قائد الانقلاب وفريقه الخائن على فتح كتاب القمع من الفصل الأخير والصفحة الأخيرة لحكمة يعلمها الله عز وجل.
------
· منسق حركة "صحفيون من أجل الإصلاح"