"ما أشبه النكبة بالبيضة، تُحسب سجنًا لما فيها وهي تحوطه، وتربيه وتعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة والرضا إلى غاية، ثم تُنْقَفُ البيضة فيخرج خلقٌ آخر، وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته، عمله أن يتكون فيها، وتمامه أن ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل" (الرافعي/ وحي القلم).

تلك طبيعة الطريق الذي تسلكه جماعة الإخوان و التي أتابع خطواتها منذ عشرين سنة ـ هي عمر معرفتي بهم ـ وعاصرت ما مر بهم من أحداث عسر ويسر وكم ريشت لهم سهام و كم تلقوا من طعنات وكم وُضعت العراقيل في طريقهم ، وكم نال الإعلام من سمعتهم وأُشهد الله أني ما وجدتهم إلا فائزين علي كل حال ، ولا أرى سببا إلا أنهم أناس خطواتهم لله ـ ولا أزكي علي الله أحدا ـ فما من خير أصابهم إلا قالوا: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وما من محنة مرت بهم إلا قالوا : اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها ؛ واثقين في الله ، كما وثق يوسف علية السلام بربه الذي أخرجه من البئر إلي المُلك فقال : ( إن ربي لطيف لما يشاء ؛ إنه هو العليم الحكيم )

وإن ما تتعرض له الجماعة وحزبها ورئيس الجمهورية عبر وسائل الإعلام من حملات التشويه و تشكيك في النوايا  ومحاولات شق الصف الإخواني و ما أصدّره المجلس العسكري سابقا و الانقلاب الفاشي و عناصر الدولة العميقة حاليا لمحاولة اقصائها وعرقلة مسيرة الإصلاح عن طريقالقتل والحرق و القمع الدموي و الاعتقال اليومي للثوار رجالا و نساء و شبابا و فتيات؛  فلا أجدني إلا مطمئنا أردد قول سيدنا موسى عليه السلام: (رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ) وأستدعي من المفاهيم و المعاني التي تثبت القلب و اليقين بهذا الطريق و منها :

ولو شاء ربك ما فعلوه

نعم صدق الله عز و جل ( و لو شاء ربك ما فعلوه ؛ فذرهم و ما يفترون ) فإنه لا يستطيع أحد أن يقول أو يفعل ما لم يأذن به الله و إن الأزمات والعقبات لا تسير إلا وفق قدر معلوم وقضاء مرسوم وحكمة إلهية و إن هذا ما حدا بيوسف ـ عليه السلام ـ بعد صنوف البلاء أن يقول: ( إن ربي لطيف لما يشاء ؛ إنه هو العليم الحكيم )

علامة الطريق

و إنها علامة الطريق الصحيح الذي نسلكه ؛ فما كان الباطل ليسلم للحق الراية طائعا ، فهذا دونه الحتف المميت ولذا كان من دقة الفهم عند الإمام البنا أن جعل البلاء الشديد بداية طريق أصحاب الدعوات فقال : (أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولةً عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميَها وأهدافها ستَلقَون منهم خصومةٌ شديدةٌ وعداوةٌ قاسيةٌ، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقَّات، وستعترضكم كثيرٌ من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات ).

لنا أهداف ولكل مرحلة بلاؤها

نعم لنا أهداف ؛ فنحن أصحاب مشروع استكمال الباقي المعطل من القرآن ولنا خطة ونتبني العمل السلمي وقد تسارعت خطوات الدعوة من بعد ثورة 25 يناير المباركة ، فرأى الحاقدون في الداخل و الخارج كيف كنا نحمي الحرية في أحرج الأوقات و كيف مَنَّ الله علينا بحب الناس والتحامنا بهم و كيف كسبت الدعوة في جو الحرية مقرات في كل شعبة و إطلاق قناة فضائية و جريدة يومية و أغلبية في البرلمان( شعب وشورى ونقابات ) وختاما بالفوز برئاسة الجمهورية و تأكدهم من بداية النجاح و دوران عجلة الإنتاج ....الخ

فكان طبيعيا أن يجن جنونهم وألا يقفوا مكتوفي الأيدي إذ لم تضع الحرب أوزارها بيننا و بينهم ، وواهم من ظن ذلك ؛ فالحق و الباطل يتدافعان إلي يوم القيامة وسنجد الاستماتة في المواجهة ؛ ومن هنا اختلقت الأزمات و صُدِّرت وكثرت الطعنات و الانقلابات الناعمة أولا ثم الختام بالانقلاب الدامي ، و ما كان لنا أننبالي ، فنحن ماضون بإذن الله  موقنون أن الله مولانا و لن يخذلنا .

ورب ضارة نافعة

فالأزمات تفجر الطاقات والإبداعات وما تزيد النار الذهب إلا صفاء ؛ فنحن و شعبنا نزداد نضجا و خبرة فلا نلدغ من جحر مرتين وسنتحرك معا يدا واحدة وسيلحق بنا الصامتون فوجا فوجا وسينتفى الخبث رويدا رويدا ؛ فلقد أصبح للثورة بعد المحاكمة رأسا و الثوار في الميادين و إشارة رابعة أصبحت رمزاً للصمود ولن  يرى الباطل أمامه إلا صفا نقيا صلبا ؛ وقد أنبانا ربنا كيف أن صدود فرعون و زبانيته عن دعوة موسي وهارون قد جعل الرجل الصامت الكاتم لإيمانه يفجر ما لديه من طاقات و ينطلق داعيا ومبلغا وناصحا للقوم مناصرا لنبيه ولرسالته .

وكان التضييق علي الأنبياء الثلاث في قصة أصحاب القرية  قد جعل مؤمن آل يس يتحرك ويتوثب وينطلق ( وجاء من أقصي المدينة رجل يسعي قال يا قوم اتبعوا المرسلين )

وقد قال الله عن يوسف عليه السلام في محنة السجن ( ودخل معه السجن فتيان ) يوسف 36

 أي دخل السجن مع يوسف من سيكون سبب خروجه في حينه المقدر الذي استعجله يوسف ـ عليه السلام ـ ؛ فلم يعجل الله لعجلته وأراده يوسف التماسا منه للعزيز ، فجعله الله التماسا من العزيز ليوسف و أراده يوسف خروج المملوك المسجون فأراده الله خروج المكين الأمين وهكذا يريد الله ويريد الناس ولا يكون إلا ما يريده الله فطوبي لأهل الرضا و التسليم ( إن ربي لطيف لما يشاء ؛ إنه هو العليم الحكيم ) (د/ محمد الجزارـ يوسف من البئر إلى الملك)

عدتنا

عدتنا صفات أساسية لمن رصدوا أنفسهم للتأثير في الحياة ، نتحلى بها وننزلها واقعا في حركتنا وقد حددها الإمام البنا فقال :

(إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره )

وليس من الجهد ما يهدر ولكن النجاح قد يتأخر (ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا).

--------

M_mansour1972@yahoo.com