لفت نظرى ما كتبه المفكر محمد الجوادي بأن الله بيَّض وجهه، وجاء يوم المحاكمة كما توقع له، فلم يخذله الرئيس مرسي وكان قويًّا شامخًا، ولم يخذله الإخوان فكانت مظاهراتهم سلمية، رغم ادعاء إعلام العسكر بمخططات إخوانية دموية في هذا اليوم.

 

وكانت كتابات مؤيدي الشرعية سواء في الداخل أو الخارج تعبيرًا عن فرحة وإعجاب، تشعرك أن أيديهم وضعت على قلوبهم من أن يظهر الرئيس أو الثوار على غير ما يرام مما يضع الثورة كلها على المحك، وبالعكس فقد كان اليوم أيضًا شاهدًا على حالة ارتباك في صفوف الانقلابيين..

 

ففي الإعلام:

لم تسلم القنوات من مفاجآت عكس اتجاه الريح، فهذا اللواء منصور العيسوي وهو يهرتل بأنه يوم انحسار الإخوان إذا بصديق أبو ضيف يذكره بأنه القاتل في محمد محمود وماسبيرو وأن يومه قريب، فيتلعثم الرجل ويقول إن اﻹخوان هم الطرف الثالث وسط سخرية الجميع عليه.

 

وهذا بجاتو يقرر أن مرسي كان معتقلاً، وأن النيابة ليس من حقها إحالته إلى المحاكمة، وأنه الرئيس الشرعي قانونًا حتى اﻵن، ثم ذكر اﻹجراءات الواجب اتباعها لمحاكمته، والتي لم تنفذ المحكمة منها حرفًا.

 

وهذا الشريط المسرب لمرسي يظهره في منتهى القوة، ويكيل الأوصاف المشينة للسيسي، رغم أنه في قبضته الأمنية؛ مما يلخبط الحسابات تمامًا، حتى لو أرادوا فخًّا فلم تخدمهم الظروف.

 

ثم التليفزيون المصري يستطلع آراء الناس فيصدمونه بآرائهم المعارضة لما حدث وينعون على المحاكمة عدم الشفافية.
هذا رغم أن الإعلام طبعًا كان يعد العدة ليجعل هذا اليوم أسود أيام الإخوان والرئيس ومؤيدي الشرعية.

 

إذا أضفت هذا بجوار ما تم تسريبه من وقائع الجلسة فإن حصيلة تأثير الإعلام سنشهده على وجه رجل الشارع الذي نزل فخورًا بالرئيس إذا كان من مؤيديه، ومرتبكًا إذا كان من معارضيه، أو مذهولاً يعيد التفكير إذا كان من الكتلة الصامتة الخطيرة التأثير في المرحلة القادمة.

 

وإلى اﻵن يتساءل الناس: لماذا جَبُن العسكر عن إذاعة المحاكمة، أو حتى ملخصها الذي وعدوا به؟!

 

أما في القضاء :

فقد كان الوصف المتفق عليه هو المسرحية الهزلية، ويكفي أن قاضي قضاة باكستان افتخار شودري ينصح قضاءنا بالعودة إلى رشده ورحب بالدكتور مرسي رئيسًا لباكستان، في تعبير بليغ عن بيان عنوان الحقيقة.

 

وكفانا ما قاله المستشار جنينة عن كون الرئيس يحاكم أمام لا قاضي ولا قانون ولا محكمة، ونعى على القضاة هذا اليوم الذي أضاع فيه القضاء تاريخه، وأن لا حياة للقضاء إلا باستمرار الشارع في ثورته .

 

أما المستشار أحمد مكي فقد تكفل بنسف الموضوع قانونًا بجوار شهادته التي أورد فيها مسئولية الحرس الجمهوري (يعني الجيش) والشرطة عن الأحداث، مستشهدًا بانعدام مسئولية ملكة إنجلترا عن تأمين قصرها وإنما المسئول عن ذلك أجهزة الدولة المعنية، وشهد بإصرار الرئيس على عدم إطلاق رصاصة واحدة تجاه المتظاهرين، أو ممارسة أي عنف إزاءهم.

 

لكن فضيحة النيابة المدوية كانت في قصر القضية على قتل اثنين ليسا من اﻹخوان، ثم ما علمناه من أهالي الثمانية الباقين بحفظ التحقيق في بلاغات قتلهم، ليؤكد النائب العام أنه عازف رق في فرقة علي الحجار؛ باعتبار أن "شعب اﻹخوان" مهدور الدم، أما "شعب السيسي" فيستحق وقوف رئيس شرعي وراء القضبان!.

 

ولا تسل عن السماح لأربعة محامين فقط يترافعون عن ستة عشر، بينما ثلاثمائة محام يترافعون عن شهيدين!.

 

وكان السماح لصحافة الانقلاب فقط بالدخول تمثيلاً عن الصحافة المصرية، كما شهد بذلك مراسل  CNN، والذين هتفوا ضد الرئيس، وكانت دماء أبو ضيف محل الهتاف والتجارة الإعلامية، في وقت لم ينطقوا ببنت شفة عن صحفي الأهرام الذي قتله كمين الجيش ولا أبو ذراع الصحفي المدان في محكمة عسكرية بسبب شهادته الصحفية، ولن أحدثك عن الصحفيين اﻷجانب ولا اﻹسلاميين، فهؤلاء حلال قتلهم!!.

 

أما فضيحة تصوير (جهات ما)، بثلاث كاميرات، لوقائع المحاكمة، رغم قرار المحكمة بحظر التصوير فقد أهان فيها القاضي سلطته القضائية، خاصة حين (طأطأ رأسه) لا يجد إجابة على سؤال الدفاع بخصوص هوية الجهات التي تصور وتتجاوز سلطتها سلطة المحكمة داخل المحكمة؟!

 

كذلك فإن القاضي المستشار أحمد صبري قد أطل على المحاكمة يسبقه تاريخ قريب تعتريه الشبهات؛ فالرجل قد برَّأ اثنين من رجال مبارك، وهما شفيق ومناع وزير الطيران اﻷسبق، بينما (فتك) بحارس الشاطر وسجنه عامًا كاملاً، أثناء فترة تآمر السلطة القضائية على مؤسسة الرئاسة؛ حيث كان القاضي نفسه يهدد بالإضراب في مواجهة الرئيس؛ مما يدل على نشوب خصومه مع الرئيس تمنع من حيادية الفصل في الاتهامات، وتعطي للقاضي فرصة التشفي.

 

نحن إذن أمام كوميديا عبثية من نوع يا طالع الشجرة هات لي معاك بقرة التي أراد أن يحاكي فيها توفيق الحكيم الكاتب النرويجي إبسن.

 

أما عن العسكر :

فقد جاءت فضيحتهم طازجة من الإسكندرية حيث محبس الرئيس، ومدينة مجازر العسكر؛ إذ لم يكن مبررًا أبدًا هذا التوحش والبربرية في التعامل مع المتظاهرين السلميين، ومنهم فتيات الثغر ونساؤه ممن يقضون (عقوبة) الحبس الاحتياطي اﻵن في سجون الاحتلال العسكري ومراكز الأحداث.

 

وقد لا يلاحظ الكثيرون أن التليفزيون السكندري، ومنذ فترة غير قصيرة يكتب بكل وضوح في شريط اﻷخبار إن قيادة المنطقة الشمالية وقيادة القوات البحرية سيطرت على المتظاهرين، أو فرقت التظاهرات، أو اعتقلت، أو سيطرت على منطقة سيدي بشر (إى والله) …أو أو...إلخ.

 

ونسي الجهابذة أن مدلول هذا بوضوح أننا نرزح تحت (حكم العسكر)، وأن هذا كفيل بحسم جدلية (ثورة دي ولا انقلاب)، ولكننا أدركنا أخيرًا أسباب هذه التصرفات المجنونة من جيش مصر ضد أبناء مصر العزل.

 

وسبب هذا التخبط والتوحش هو وجود شخصية بحجم الرئيس بقاعدة أبي قير البحرية؛ مما جعلهم يفقدون احتياطهم، ويفضحون أنفسهم، ويعتبرون أنهم في محنة إثبات وجود أمام ربهم اﻷعلى!!.

 

لذا رأينا جيشنا وكأنه انتقل بكامله إلى اﻹسكندرية يوم المحاكمة، هذا باﻹضافة إلى مختلف اﻷسلحة والمركبات العسكرية التي تدهس شوارع المدينة يوميًّا للصدام مع المتظاهرين الذين أصبحوا يتلاعبون بالعسكر عبر خطط يومية متغيرة، يتلاعب فيها شباب التحالف بخطط كبار جنرالات العسكر بالإسكندرية، ليواجهوا بذلك أعتى (إستراتيجيات الفكاكة).

 

ويأتي هذا مع محاولات خائبة ﻹيقاع الرئيس في شرك العسكر، فيفضحهم في نفس اليوم تسريب موضوع جنرالات التوبة، ولم نكد نرى تصاغرهم أمام شموخ الرئيس حتى دهمتهم فضيحة خيانتهم بإدخال الصهاينة لحماية قناة السويس!!.

 

أما عن العلاقات الدولية..

فالانتكاسات هي شعار العسكر في هذا اليوم، فنائب بان كي مون يطالب بالإفراج عن الرئيس وعودة الشرعية، وهيومان رايتس ووتش تصدر بيانًا شديد اللهجة ضد ممارسات العسكر وترد تفاصيله بالإعلام العالمي، ووزارة الخارجية الألمانية تطالب باﻹفراج الفوري عن الرئيس، وقررت قطع كل أنشطة التواصل مع السلطة الحالية، ورفضت زيارة نبيل فهمي قبل اﻹفراج عن الرئيس.

 

وزيارة كيري تكشف أن الإدارة الأمريكية في حالة تخبط تاريخية؛ حيث تقول التصريح ونقيضه؛

فهي ستساعد الحكومة المؤقتة ..ولكنها تعلق المعونات!

وتؤيد خارطة الطريق لكن لا تريد إقصاء أحد أي إخوان) .

تؤيد مواجهة الإرهاب ولكن تعترض على الممارسات القمعية.

وراجع مطالبة الاتحاد اﻷوروبي باﻹفراج عن كل المعتقلين السياسيين (على لسان وزير الخارجية السويدي).

وانظر إلى تصريحات الخارجية الهندية التي رفضت التعامل مع الحكومة المؤقتة، وذكر وزيرها إن هذه اﻷيام كانت ستشهد مولد قمر  صناعي للعمليات العسكرية باشتراك مع مصر- مرسي وتركيا، ووعد الوزير بأنه سيبذل كل مساعيه لعودة الشرعية بمصر متعاونًا مع كل من اﻷتراك والقطريين، والذين كانت لهم تصريحات متطابقة.

 

حتى منظمة العفو الدولية فقد اضطرت أن تطالب العسكر بمجموعة ضمانات مفقودة للمحاكمة، وفُسِّر بيانها باعتباره اﻷشد لهجة مما تسبب فى تعرية المحاكمة من جديتها.

 

ويكفي نظرة واحدة على تعليقات باقي مسئولي الحكومات والمنظمات الدولية حتى تعرف كم الصدمة الذي استقبله الانقلابيون هذا اليوم.

 

ومن هنا…

أقول للدكتور الجوادي، ولكل مناضل وضع يديه على قلبه من يوم المحاكمة، خوفًا من أي مفاجأة في موقف الرئيس أو مؤيديه…
أقول لهم: لن نخذلكم .

لن نخذل كل من وقف مع مصر الشرعية وضد الدم والسحق وسرقة الوطن.

سترون قادة عقلاء على الدوام، وجنودًا مضحين بالنفس والمال .

وسترون رئيسًا ربيب دعوة الصمود والعقيدة واليقين في الله، وتراب الوطن الطاهر.

راهنوا على هؤلاء بعد الله تعالى.

فكما لم يخذلوا الأمة من أول حرب  48

وكما لم يخذلوا العقيدة من أول محنة  54

وكما لم يخذلوا الوطن من أول ثورة  25يناير

وكما كانوا رجال أفعال لا رجال أقوال

قدموا دلائل أقوالهم بالرصاص يخترق أجسادهم

وقدموا الابن والبنت والمال والنفس

 

كما قدموا هذا، فهم قد عزموا على استكمال الطريق مهما كانت تضحياته وزمنه، كما أننا لن نخذل الشهداء الذين خذلهم جميع المتاجرين بدمائهم خاصة الشهيد الحسيني أبو ضيف فنحن من سنأتي له بالقصاص، وإذا كنا قدمنا الخمسة آلاف شهداء راضية نفوسنا وأنفسهم، لكننا عازمون على القصاص حتى يعلو ميزان الحق وحتى لا يفلت مجرم بجرمه.

 

وكما قال الرئيس لسجانه: أنا الرئيس الشرعي وكل هذا سينتهي قريبًا وسيحاكم كل من قام بالانقلاب وسيستكمل هذا الرئيس ما بدأه من القصاص لشهداء يناير، ومحاكمة مبارك وأعوانه، ولن نخذل الفقراء، الذىن انشغلنا عنهم طوال أربعة أشهر فلم تمتد إليهم يد، وما هي إلا أن ننتهي من هذا الانقلاب، وستعود أيادينا الممدودة لكم، ولن يصدنا عن عونكم استغلال الانقلاب لحاجتكم ولا لفقركم، فنحن أول من نعلم محنتكم.

 

لن نخذل زعماء الدول..

الذين دعموا الحق، وساندوه دوليًّا، وسترون عما قريب رئيسًا حقيقيًّا يعود من محنته ليقود أمته بعد أن تساقطت أوراق التوت عن العسكر وأعوانهم.

فقط سيكون هناك عمل وأمل وإرادة وقيادة وشعب واعِ يلتف حول مشروعه ورئيسه.. لا رجوع.

--------

mohamedkamal62@ymail.com