الله- عز وجل- لا يطلب منا أن نصل إلى القمة قفزًا ولا أن تكون لنا في بداية المشوار تجربة المخضرمين ولكنه- سبحانه- يلح علينا أن نقف على الطريق وأن نبدأ الحركة؛ فقال تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد:11).
لذا فهذه المرحلة التي نجتازها هي آية في الروعة؛ إذ قد وقفنا- بحمد الله- صابرين على طريق مناهضة الباطل وبدأت الحركة لنصرة الحق رغم هذا الحشد الكثيف من الأحداث الدامية؛ وتطلع الشعب للقيام بدوره في أعنف و أضخم مرحلة لكسر قيوده التي طالما حالت بينه وبين ممارسة دوره في خدمة هذا الدين؛ إذ لم يدع الظالمون له فرصة واحدة لالتقاط الأنفاس فجعلوه يدور أربعًا وعشرين ساعة بحثًا عن لقمة عيش؛ حتى تدهورت كل القيم وندر العطاء وهبط الإنتاج.
فأراد الله لهذا الشعب النجاة؛ ليلقي عن كاهله الأثقال وينفر خفافًا لتحقيق المهمة التي كُلف بها والتي حققها من قبل في حطين وعين جالوت وغيرها من مواقف خدمة هذا الدين والدفاع عنه، هذه المهمة التي لا تقبل الوسط أو التهاون أو القناعة بالحسن دون الأحسن؛ إذ تتطلب حشد كل القوى فلا تتخلف منها ذرة وشد الطاقة إلى آخرها ولو إلى حد التمزق وآية أنه قد بذل غاية الجهد هو الشعور بعد الانتهاء من العمل بأنه كالخرقة المبتلة قد عُصرت عصرًا فلم يبق فيها أثر من ماء، جفت كل الجفاف وما أروع هذا الشعور؛ إنه شعور بالرضا والفوز والتطهر.
إنها مرحلة فتنة معادن هذه الأجناد بالنار لاستخلاصها من الشوائب؛ مرحلة التدريب على الكفاح والجهاد العنيف مع الصبر على تبعاته: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" (البقرة: 214).
ويقيني أن الله أراد لهذه المرحلة أن يكون شعارها: مماشاة القدر وتلبية نداء:
لا تقل ينقصنا سيف ونار إن بالإيمان تندك الجبال
فجدد العهد وجنبني الكلام إنما الإسلام دين العاملين
فيا كل المخلصين لهذا الوطن اصبروا وصابروا ورابطوا وجددوا العهد على أن نكون من هؤلاء الذين يصمون آذانهم عندما يحاول المثبطون أن يثنوا عزمهم بقولهم: لن تستطيعوا أن تحققوا أحلامكم، ومهما عددوا لنا الصعوبات والعراقيل تمسكنا بحلمنا وبذلنا أقصى جهد لنصل إلى هدفنا ولا نسمع لهم؛ بل نسمع لأبي القاسم الشابي إذ يقول:
أُبَارِكُ فــي النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر
وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـــانَ وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر
هُوَ الكَوْنُ حَي ، يُحِـب الحَـيَاةَ وَيَحْتَقِرُ الْمَـيْتَ مَهْمَا كَـبُر
فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّـيُورِ وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَـر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَــيَاةِ النُّفُوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَــدَرْ
(ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا) ، (و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون).