لا يستطيع أي مراقب لما يجري في مصر من أحداث وتفاعلات وأزمات وتطورات، وبخاصة في السنوات الثلاث عشرة الأخيرة، أن يتجاهل الدور الكبير والمتميز للمرأة المصرية في صنع ودعم، بل وقيادة، هذا الحراك الفكري والسياسي والاجتماعي الثوري، الذي نشهده حاليًّا.

 

ومن حق المرأة المصرية على الكتاب والمحللين والباحثين أن يكشفوا أبعاد دورها المهم والمحوري، الذي تقوم به الآن في بناء وصياغة وتطوير مشروع سياسي واجتماعي وثقافي جديد في مصر، وحجم تأثيرها الواضح والملموس في مجريات الأحداث العامة.

 

من زاوية الخلفية التاريخية الحديثة، يمكن الإشارة إلى أن المرأة شاركت بقوة في الحراك السياسي والاجتماعي منذ أوائل القرن الحالي، وظهر ذلك بشكل واضح بدعمها للتيار الإسلامي، في الانتخابات النيابية التي جرت في عام 2000، حيث فاز الإخوان بـ17 مقعدًا بعد معاناة مع النظام القمعي، كان من بينها مقعد د. محمد مرسي (رئيس الجمهورية بعد ذلك).

 

هذه المشاركة النسائية النشطة في تلك المرحلة، استفاد منها الإخوان المسلمون بعد ذلك بصورة أكبر في الانتخابات التالية (عام 2005)، وأدت إلى حصول نوابهم على 20% من أعضاء مجلس الشعب (88 من أصل 444 نائبًا)، على الرغم من عدم وجود أية مرشحة من التيار الإسلامي!.

 

ولم تقتصر المشاركة المتميزة للمرأة في هذه الانتخابات على دعم مرشحي الإخوان بأصواتهن، من خلال الحرص على الذهاب إلى صناديق الانتخابات، والإصرار على الإدلاء بالأصوات رغم كل الضغوط: السياسية والاجتماعية والعائلية وأعباء العادات والتقاليد، ولكنها أيضًا قامت بصناعة حملة دعائية ناجحة في المجتمع الأسري، سواء بالذهاب إلى بيوت الأهالي للحديث مع السيدات؛ بهدف إقناعهن بأهمية دورهن ومسئوليتهن في إصلاح أحوال البلد، أو بالمرشح المطلوب انتخابه من الأسرة، أو باستخراج بطاقات الاقتراع الرسمية لهن في الأوقات القانونية، أو باصطحابهن بعد ذلك إلى اللجان يوم الانتخاب للإدلاء بأصواتهن.

 

هذه المشاركة المجتمعية والسياسية والحركية، خصوصًا في انتخابات برلمان 2005، زادت من القدرات والمهارات الإبداعية للمرأة في التأثير بوجه عام، سواء من خلال اكتساب مهارات التحليل السياسي، وفهم الواقع، وتقديم البدائل والأمثلة الشارحة، ونضج الوعي العام بهموم المواطنين، أو من خلال القدرة على الحوار والإقناع والتأثير والتفاعل الإيجابي.

 

وكشفت هذه المشاركة الفاعلة أيضًا عن إبداعات حقيقية، سواء فكرية أو حركية أو جمالية في مجتمع المرأة، شكلت إضافة عملية وحيوية، وزادت من زخم التأثير العام للحركة الإسلامية في تبني قضايا المجتمع، وهو ما أدى أيضًا إلى دخول شرائح اجتماعية جديدة لم تكن تهتم أصلاً بالعمل العام ونقد الواقع والبحث عن بدائل، وانخراطها في هذا التفاعل الاجتماعي الإيجابي.

 

ولم تعد المرأة "الملتزمة" أو المنتمية إلى الحركة الإسلامية، وحدها تمثل هذا الوعي السياسي، بل رأينا سيدات مجتمع من الطبقات الاجتماعية العليا، يشاركن في هذا الحراك العام، وصولاً إلى طبقات البسطاء الأقل وعيًا.

 

وعندما قامت ثورة 25 يناير 2011 شاركت المرأة المصرية بقوة في مختلف فعالياتها، ورأينا على مدى الأيام ال 18 حتى سقوط نظام مبارك، حضورا كبيرا ومميزا جدا لها في المسيرات والاعتصامات والهتافات، وظهرت نتائج زيادة الوعي خلال السنوات العشر السابقة على الثورة، وكان واضحا أن المجتمع تغير بالفعل إلى الإيجابية والإصرار وكسر حاجز الخوف، بفضل الوعي النسائي.

 

بعد ذلك شاركت المرأة بقوة أكبر وأكثر تأثيرا من ذي قبل في انتخابات 2012، وبدأت أولى خطواتها العملية إلى مقاعد البرلمان عن طريق حزب الحرية والعدالة (الإخوان المسلمين)، (4 في مجلس الشعب و3 في الشورى)، وشاركت كذلك بدور مؤثر جدا في انتخابات رئاسة الجمهورية، كما شاركت في كتابة الدستور الشرعي (منهن 5 من الحرية والعدالة)، وكذلك الاستفتاء على إقراره بعد ذلك في ديسمبر (2012).

 

هذا الدور الحيوي والبارز للمرأة في كل هذه الاستحقاقات السياسية والاجتماعية والثورية في السنوات الأخيرة، كان المقدمة الطبيعية لشعورها بمسئوليتها الدينية والتاريخية عن حماية الثورة ودعمها بكل ما تستطيع، وهو ما تجلى واضحا في مشاركتها الكبيرة في مظاهرات ومسيرات واعتصامات رفض الإنقلاب العسكري منذ اللحظة الأولى.

 

لم تتوقف المسيرات التي شاركت فيها المرأة، سواء بشكل مستقل عن الرجال أو معهم، منذ ظهور بوادر الإنقلاب قبل 30 يونيو الماضي وحتى الآن، وسالت دماء أول ثلاثة منهن في مدينة المنصورة، على أيدي أجهزة الأمن و"البلطجية" الذين يستخدمونهم وهن صائمات، وذلك ظهر السبت 11 من شهر رمضان الموافق 20 من يوليو الماضي.

 

فتحت الدماء البريئة الزكية لكل من: السيدة: إسلام عبد الغني (صيدلانية 38 عاما)، والسيدة: آمال متولي فرحات (محاسبة 44 عاما)، والفتاة: هالة محمد أبو شعيشع (طالبة بالثانوي 16 عاما)، وجميع إصاباتهن كانت برصاص حي في الرأس والبطن، الباب واسعا أمام حضور أكبر وأقوى للسيدات والفتيات في الفعاليات الرافضة لحكم العسكر، ولم تتوقف هذه المشاركات أو تقل قط، بل زادت حماسة وإصرارا وعزيمة.

 

رأينا المرأة المصرية، من كل المستويات الاجتماعية والثقافية والمهنية، تعتصم في ميداني: رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة بالجيزة، هي وزوجها وأولادها دون كلل أو ملل، رغم قسوة الحياة والإقامة في الشارع، خصوصا بالنسبة للمرأة والأطفال.

 

رأينا الفلاحة إلى جانب المتعلمة، وساكنات المناطق الشعبية إلى جوار سيدات الطبقة الراقية، ورأينا الموظفة إلى جانب ربة المنزل، والطالبة مع الأستاذة إلخ، كل هؤلاء شعرن بأن لهن قضية يدافعن عنها، قضية الدين والحرية والشرعية، ورفض الاستبداد والفساد وحكم العسكر، وأدركن أن ما يدفع في ذلك من ثمن هو قليل، حتى لو كانت الأرواح والمهج، من الأزواج والأبناء والأشقاء، وحتى من الأنفس، لأن القضية التي يدافعون عنها تستحق التضحية.

 

شاهد الجميع في أنحاء العالم، عبر الفضائيات وفي مواقع الإنترنت، هذه النوعية المدهشة من النساء الصامدات في ميداني رابعة والنهضة، وهي تصلي وتتهجد وتقرأ القرآن، وتدعو الله سرا وجهرة، وتهتف ليل نهار لعودة الشرعية والرئيس محمد مرسي وضد الإنقلاب وحكم العسكر، في حر الصيف وقيظ شهر أغسطس، وفي ظمأ وتعب شهر الصيام والقيام، وفي غربة المكان وقسوة ما يجري.

 

تحملت المرأة كل ذلك بصبر وثبات وجلد، حتى حدثت مجزرة فض الاعتصامين، التي بدأت في الساعات الأولى من صباح الأربعاء: 7 من شوال، 14 من أغسطس حتى هبوط الليل، على أيدي قوات من العسكر وأجهزة الأمن والبلطجية، في جريمة بشعة وعدوان همجي ضد الإنسانية، سوف يتوقف التاريخ أمامه طويلا.

 

واستشهد في هذه الجريمة النكراء المئات من النساء والبنات، ومن أشهرهن: أسماء محمد البلتاجي وحبيبة أحمد عبد العزيز، كما استشهد الآلاف من الشباب والرجال والأطفال من كل أنحاء مصر، مما ستكشف الأيام المقبلة عن حجم فداحته، وخسة من قاموا بها ووضاعتهم، ما يندى له جبين الإنسانية كلها.

 

ولا تكاد تجد قرية أو مدينة مصرية من الشمال إلى الجنوب، إلا وفيها شهيد أو شهيدة أو أكثر من معتصمي رابعة أو النهضة، وطالت التضحية معظم الأسر، سواء بنيل الشهادة لأحد أفرادها أو بالاعتقال أو بالاختفاء القسري أو بالمطاردة والترويع الدائم، لأي من أبنائها أو أقاربها أو معارفها.

 

المثير للدهشة أنه رغم كل هذه التضحيات الجسام التي تحملتها المرأة: أما وأختا وزوجة وابنة، إلا أن مشاركتها في الفعاليات ضد الانقلاب في مختلف أنحاء مصر تتزايد باستمرار، وفي الأسابيع الأخيرة كانت مسيرات النساء، أكثر حماسة وعددًا في معظم الأحيان.

 

ومع بدء الدراسة في المدارس والجامعات، ظهرت مسيرات الطالبات ومواقفهن القوية، بما يؤكد أن صفحة جديدة ومؤثرة من النضال ضد الإنقلاب بدأت، ولا يمكن إخمادها قبل أن تتحقق مطالبها، بسقوط الانقلاب الدموي وعودة الشرعية.

 

تحية إلى المرأة المصرية الواعية الثائرة النبيلة، التي بذلت وضحت ولا تزال تشارك بكل ما تملك، من أجل بناء وطن حر ونهضة أمة كريمة.. إنها بالفعل "أيقونة" الثورة في مصر.