وفقًا للتسلسل الزمني الذي وضعه الفريق السيسي لانقلابه على الشرعية فيما أسماها بخارطة الطريق، فإن تعديل الدستور والاستفاء عليه سيكون سابقًا على انتخابات رئاسة الجمهورية، فماذا وراء التسجيل المنسوب إليه، والذي يطالب فيه بتضمين الدستور مادة تحصن منصبه كوزيرٍ للدفاع إذا أخفق في الفوز بمنصب رئيس الجمهورية؟ هل معنى ذلك أن السيسي سيُعدِّل خارطة الطريق بتأخير الاستفتاء على الدستور حتى يخوض انتخابات الرئاسة؟ فينظر، أيحرز قصب السبق فيها، أم لا؟ حتى إن أخفق لجأ إلى تحصين منصبه دستوريًا, أم تراه سيُبقي خارطة الطريق كما هي؟ فيظل الاستفتاء على الدستور سابقًا انتخابات الرئاسة، ولكنَّه يسعى للتحوط لنفسه- مقدمًا- بالتربع على عرش العسكرية المصرية- إلى أجلٍ غير مسمى- حاكمًا مطلقًا، ليس لرئيس الدولة المنتخب أو للشعب محاسبته، لا لشيءٍ إلا أنه يرتدي زيًا عسكريًا، ساعتها سيكون أقوى من الشعب، ورئيسه، وسيكون الحاكم الفعلي للبلاد- كما هو الحال الآن- لأنه بذلك سيجعل من يختاره الشعب رئيسًا مع إيقاف التنفيذ، ولن يكون منصب الرئيس مطمعًا له، وقد يكون طموحه قد جرفه إلى الهيمنة على مؤسستي الجيش والرئاسة معًا.
هذا إن صدقنا- بسذاجةٍ- أن ذلك التسجيل سُرِّب دون علمٍ وتدبيرٍ منه، إنني أكاد أجزم أنه هو من سربه، ولكن لماذا؟ الإجابة على هذا السؤال ربما تكشف ما يفكر فيه وزير الدفاع، وربما كان ذلك التسجيل الذي تعمد تسريبه هو بداية خارطة الطريق الحقيقية التي أطاح بالشرعية من أجل تنفيذها، ببساطةٍ إنه يريد أن يظهر للعالم على وجه العموم وللشعب المصري على وجه الخصوص أنه لا يثق بالفوز في انتخابات الرئاسة؛ حتى إذا رشح نفسه رئيسًا وحُسمت الانتخابات لصالحه، ظن الناس أن الانتخابات سليمةٌ ومعبرةٌ عن إرادة شعب مصر، وأن إرادة الناخبين لم تزوَّر، فيكتسب شرعية لانقلابه، ويخسر الشعب قضيته معه، إذن الهدف من تسريب ذلك التسجيل هو التمويه على عقول الناس من أجل تزوير انتخابات الرئاسة، وقد مُهد الطريق لذلك يوم سيطر السيسي على كل سلطات الدولة من جيشٍ وشرطةٍ وقضاء، لن يستطيع أحدٌ أن يفتح فمه ليقول إن الانتخابات قد زُوِّرَت.
إن قائد الانقلاب يريدنا أن نصدق أنه يحترم الدستور الذي انقلب عليه وعطل أحكامه، وجمع رجاله وأعوانه في لجنةٍ أسماها بلجنة الخمسين لتضع ما يأمر به، يريدنا أن نصدق أنه بحاجةٍ إلى أن يطلب من أحدٍ إضافة مادةٍ بالدستور لتحصين منصبه كوزيرٍ للدفاع، وكأنه ليس الآمر الناهي في كل شيء بعد الإطاحة بالشرعية, يريدنا أن نصدق أنه يأخذ في حسبانه إرادة الشعب صاحب السلطة والأرض وأنه يخشى ألا يحصد أصوات الناخبين في انتخابات الرئاسة، وكأنه لم يضرب عرض الحائط بالشعب وإرادته حين أطاح بالرئيس المنتخب، وقوض كل المؤسسات الدستورية في الدولة، بل قتل وأباد شعبه، ولاحق شرفاء الوطن ممن عارضوه، أقول له نحن حفظناك جيدًا، فلا داعي للمراوغة، واحترم ذكاء الآخرين.