ظن الانقلابيون أن قتلهم ألفًا أو ألفين أو عشرة آلاف من الشرفاء سوف ينهي كل شيء، وسوف يجعل لهم الأمور هنية سوية.. وهذا (عشم إبليس في الجنة)، فإن ما فعله العسكر يفوق ما فعله أعتى المجرمين مع شعوبهم، من خسة ونذالة وخيانة.
فرح الدمويون بفض مظاهرات الشعب المليونية التي خرجت يوم الجمعة الماضي بعشرات الملايين، واحتفلوا بذلك في مسجد الفتح، باقتحامه وترويع المعتصمين فيه، ثم أحضروا البلطجية لتشجيعهم والتهليل لهم وحملهم على الأعناق بعد انتصارهم على شعبهم المحاصر داخل المسجد، وفي الوقت الذي تعالت فيه صرخات الأمهات الثكالى على أبنائهن الذين تساقطوا بالآلاف على أيدي جيشنا (الوطني المغوار!!) كان هؤلاء يدلون بتصريحاتهم الشامتة في هؤلاء (الإرهابيين) الذين أحرقوا مؤسسات الدولة ودمروا مبانيها.
ما مضى فات، وما بقي سوف يكون حارًا نارًا أسود على هؤلاء القتلة المجرمين، الذين تلطخت أيديهم بدماء المصريين، وبدلاً من الموت في سبيل هذا الوطن وأبنائه، وجهوا رصاصاتهم إلى الوطن نفسه بقتل بنيه واستحلال دمائهم.. ويشهد كل ميدان في أرض مصر الآن أنه سفك عليه دم شهداء أبرار خرجوا لنيل حقوقهم، على أيدي جنود الجيش الذين خانوا قسمهم في الذود والدفاع عنا وحماية حدودنا من دنس اليهود.
كل قطرة دم سفكها العسكر سوف تلعنهم، ويكفي غضب الشعب عليهم، واستهانته بهم، والتهكم على رجولتهم ومروءتهم؛ إذ يستحيل أن يقاتل عدوًا من ذبح مواطنيه وأحرق جثثهم بالقنابل النوعية، والتاريخ يشهد أن الجيش الذي يستأسد على شعبه بالضرورة يكون نعامة في مواجهة خصمه، والذي يغتر بقوته ويواجه بها مسالمًا أعزل، هو في الحقيقة أوهن قوة وأضعف ناصرًا من حشرة العنكبوت.
لن يهنأ العسكر ساعة ما بقي هناك بيت شهيد واحد لم يؤخذ بثأره، وما بقي هناك مصاب واحد لم يقتص لعاهته، كما لم يهنأوا طالما هناك شعب بأكمله قد سرقت ثورته، وفرضت عليه- من جديد- العلمانية والإباحية والفساد واللصوصية.. قد يدّعي العسكر أنهم أخذوا تفويضًا من الشعب بذلك، وأن الغالبية تدعمهم، وقد كذبوا، فإنهم يعلمون أن ما فعلوه كذب وتدليس، وأن من أخرجوهم لا يتعدون الطائفيين والعلمانيين وجنود الجيش والشرطة الذين صوروهم كأنهم الغالبية.. أما الشعب الحقيقي فقد خرج عليهم يوم الجمعة الماضي، فساءهم ذلك، ما جعلهم يفقدون صوابهم فقابلوا الملايين المحتشدة بالرصاص الحي، بل بالطائرات والأسلحة الفتاكة والغازات المحرمة.
خرج الشعب على مبارك لفساده وجبروته، وخيانته وتزويره.. فما بالك إذا كان العسكر هم الذين أتوا بهذا النظام من جديد، وزادوا على ذلك أنهم تخلوا عن شرف العسكرية، ونزلوا إلى الميادين لتقتيل الشعب السلمي المتحضر الذي خرج ليقول لهم أعيدوا إلينا حريتنا؛ فإذا به تتخطفه الرصاصات من كل جانب، كأن الجيش جيش الصهاينة الذي كنا نولول على عدة مجازر ارتكبها في حق إخواننا الفلسطينيين خلال عشرات السنين، فإذا بجيشنا (البطل!!) يرتكب مثلها وزيادة في أقل من شهر.
لقد نفد رصيد الجيش لدى الشعب، لم يعد له وجه يقابل به مواطنيه، بعدما دهسهم بدباباته، وحرقهم بقنابله التي أتته على وجه السرعة من إسرائيل، وكيف يكون للجيش رصيد لدى الشعب وهو من ترك مهمته الوطنية في الدفاع عن الأرض والعرض، ليمارس إذلال المواطنين وسحلهم على مرأى من شاشات وإعلام العالم، وليعتقل النساء ويحشرهم في مجنزراته وينتقل بهن إلى معسكراته التي أنشئت بدم الشعب وأمواله، لا لتكون مسرحًا لإهانة النساء وتهديدهن بالسطو على أعراضهن.
يعز علينا أن نرى جيشنا على هذه الصورة، لكن وطننا أعز علينا منه، وهو ما يدعونا إلى مناشدة عقلاء هذا الجيش أن يوقفوا هذا الجنون، وألا يحنثوا في الأيمان التي أقسموها، وألا يتصوروا أن استقرارًا سوف يتم إن ظلت الأمور كما هي الآن، والخاسر هنا- للأسف- الجميع، سوف نخسر الوطن بأكمله، أما أول المحترقين بنار هذا الخسران فهم قادة هذا الجيش ومسئولوه الذين أوصلونا إلى هذه الحال المخزية.