لعل من أخطر ما يواجهه الإنسان هو فقدان هويته, فيصبح هملاً ضائعًا حتى إذا نظر إلى المرآة لم يتعرف على نفسه, وإن حاول الحديث مع ذاته لم يجد شيئًا إلا حطامًا أو أشلاء، وتكون ردة الفعل إما الهروب إلى مستنقع اللا شيء فيعيش حالةً ضبابية, قد يتمكَّن من إشباع بعض شهواته سواء من جمع المال أو سطوة المنصب أو غير ذلك من مظاهر النجاح كوسيلةٍ للهروب مما يعانيه أو تعويضًا لحالة الضياع أو الاضطراب أو بمعنى أدق الفراغ أو اللا كينونة التي يعيشها.

 

وقد يستسلم البعض لهذه الحالة ويصبح جزءًا من العوامل التي أدَّت به إلى ذلك بل وقد يصل به أن يدفع بها وقد استساغ الشعور بالمازوخية فيزيد من سطوة من أذله بل ويسعى حثيثًا وقد هيَّأ نفسه لدور الضحية وهنأ به وهو يملأ الدنيا صراخًا بالظلم والذل والمهانة التي يعيشها, ويبذل جل جهده لافشال أي بادرة أمل قد يحلم بها غيره لدفع الظلم عنه.

 

ولكن هناك البعض وهم للأسف قلة قد تجلَّد ظهرهم بالسياط وتسقط إجسادهم من الأعياء وقد يضيق عليهم في كل أسباب الحياة ولكن تظل نفوسهم سوية أبية على كل ضيم, يعرفون ذواتهم ويجلونها يتذكرون بل يعيشون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مِن أعظمِ الجِهادِ كلِمةَ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائرٍ), هؤلاء لم يفقدوا هويتهم ولا تقديرهم لذواتهم يعرفون غايتهم وسبل السعي لها.. فهم يبذلون الجهد والعرق في السعي لتحقيق غايتهم وقد يبدو ما يبذلون لا شيء أمام سطوة وجبروت طغيان الظلم، وقد يسخر منهم مَن فقدوا أنفسهم ورغم أنهم يعملون من أجل الجميع ولكن لا يتحرج الإذلاء من معاداتهم والنيل منهم حتى يبرروا لأنفسهم ما يعيشون فيه من هوان.

 

نعم قد يتشدق الإذلاء بطلب الحرية ولكن الذل قد تمكَّن من نفوسهم المريضة وحتى لا يروا أنفسهم بهذه الخسة فإنهم يعرقلون من يبذلون من أجلهم الحرية حتى يبرروا لأنفسهم ما وصلت إليه من ضياع.

 

قد يموت الأبي وهو على الطريق ولم يكن قد حقق شيئًا كما يقول الأذلاء وهم يشمتون بفشله قبل موته, ولكنه حقق في واقع الأمر الكثير.. لقد حقق الأمل وبعثه بفضل الله في النفوس السوية وأحرج أو على الأقل بعث بعض التساؤلات في النفوس المريضة, وقد عاش متسقًا مع ذاته.

 

إن من عدل المولى عز وجل أن جعل الجزاء على حسن العمل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً)، وهو ما يبذله المسلم في سعيه لخلافة الله في الأرض ولم يربطه جل وعلى بتحقيق الهدف لأن (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ).

 

لعل الوصف الدقيق لحالة المصري في عهود القهر العسكري أنه قد أوصله خلال العقد الأخير لحالةٍ من التيبس بل التحجر النفسي فاستساغت النفوس المريضة الذل والهوان بل وتعايشت وأصبحت جزءًا من البركة الآسنة في كل مناحي الحياة، فالجيش أمَّن العدو الصهيوني، بل ولا يخجل الضابط المصري من أن يكون أداةً لتأصيل التجسس المقنن تحت ما يُعرف بالتعاون الأمني ولا حرج أن يكون هناك مهرجان لما يُعرف بالمناورات المشتركة مع أمريكا! يُجربون فيها أسلحتهم ويسافر الضباط يتفسحون تحت مسمى دورات تدريبية وانهمك الجيش في المشروعات الاقتصادية والنوادي.

 

وقد أصاب العفن كل الأجهزة من قضاء ونيابة وجامعات وكل الأجهزة الإدارية, وحتى تقتلع أي بادرة أمل كان لا بد من إطلاق يد الشرطة, وحتى يستكمل المشهد البائس لا بد من عمامة تبيع آخرتها بدنياها تكمم المعاني الحية للإسلام ويبقى الحديث كله في مفهوم التنسك الشكلي والتأكيد على معاني الصبر, طبعًا الصبر السلبي والذي لا يتعدى دور المبتلى فيه غير الحوقلة دون أن يكون هناك أي عمل إيجابي ولسان حالهم: "يقول مشيناها خطا كُتبت علينا ومَن كُتبت عليه خطى مشاها".

 

وتسمع آيات التبجيل والثناء لأن الرئيس تفضَّل وتكرَّم ووو وحضر حفلة ليلة النصف من شعبان مثلاً! ولا بد من تسويق اليأس وطمس أي شعاع من الأمل قد يبزغ في نهاية النفق, فكان العهر الإعلامي وكلهم صنيعة القواد الغير شريف فتجد مسوخًا باهتة ونماذج للضياع فتُفرد سهرة عن قصة كفاح الراقصة وكيف صمدت في وجه التقاليد البالية أو شيخ يتحدث عن أمجاد عهد الرئيس وأنه ... وأنه.... !!!! بحيث سادت النفوس المريضة حالة عجز واستسلام وعدم مبالاة بل واعتبرت ذل الحاكم قدرًا لا مفرَّ منه وسنؤجر عليه وجزاه الله خيرًا أن وفَّر لنا فرصةَ الصبر بظلمه لنا.. بل وحاولت طمس السمات الإيجابية في المجتمع المصري وكأنه كله مرض, لكن ظلت النفوس الأبية متصلة بمدد الله تحاول نشر الأمل ولاقت من البطش ما لاقت.

 

ولكنَّ فضلَ الله عظيم.. (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ)، وكانت ثورة 25 يناير المجيدة وبدأ الصراع: دولة الظلمات مع بزوغ شعاع الحرية ولعلنا أدركنا جميعًا أن مسلسل امتصاص طوفان غضب الجماهير ثم إجهاض الثورة ومحاسبة كل من أشعلها, قد بدأ من خطاب التنحي ثم استكمل المجلس العسكري دوره بالتنسيق مع شفيق فيما يُعرف بحكومة تصريف الأعمال.. والتي كانت مهمتها تسريب الأموال المنهوبة لكل الطغمة الفاسدة وليس للمخلوع فقط، بالإضافة إلى طمس كل أدلة إدانتهم, إلى أن انتهت بتمثيلية إرادة الشعب وشرعية الشارع ورجعنا إلى ما قبل نقطة الصفر.

 

كان من الطبيعي والمتوقع أن تنعم كل جموع الشعب باستنشاق عبير الحرية واستشعار معنى الكرامة الإنسانية والاعتزاز بالمواطنة واستعادة الوطن المسلوب, ولله الحمد عاش معظم المصريين هذه المشاعر الطيبة إلا المرضى وأسرى القهر النفسي والذل الذاتي فالقيود كانت قد انتقلت من السجان إلى عقولهم وضوابط الإقصاء قد رسخت في ذواتهم ولم يستطيعوا معايشة الحرية فظنوا أنها إطلاق العنان للسبِّ والقذف في مَن دعاهم ووفَّر لهم بيئتها الطيبة فأفسدوها.. وقد ساهم العهر الإعلامي في طمس الحقائق وتزييفها وحيث إنهم قد رُبوا على التلقي وعدم البحث والتقييم، وأنه ليس من حقِّه أن يفكر بخلاف ما يلقى عليه فكانت عقولهم مخزنًا لنفايات الصرف الإعلامي, فخرجوا في غوغائية لتقييد حريتهم وإعادتها بكل فرح ونشوة إلى سجن كبير. فمن كان له نقد على بعض مواد الدستور ويرغب في تعديلها، فرح بإلغاء الدستور واستبدال لجنة معينة تعمل في السر باللجنة المنتخبة! ومن كان له تحفظ على ضعف الأداء الشرطي هلل بعودة أمن الدولة، ومَن كان ينتقد إجراءات قانون انتخاب مجلس النواب هلل لإلغاء مجلس الشوى!  أي عتهٍ هذا؟

 

وصدق الله العظيم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)) (الحج).

 

اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.