على مدى عشرين يومًا تقريبًا منذ 3 يولية الماضي حتى الرابع والعشرين منه حاولت أبواق البيادة العسكرية نفي صفة الانقلاب العسكري عما قام به وزير الدفاع، ولكن الرجل في خطابه بعد عشرين يومًا ودعوته الشعب للنزول إلى الشارع والتظاهر تفويضًا له بمواجهة ما أسماه الإرهاب أي الإسلام والقضاء عليه؛ أثبت أنه صاحب الكلمة الأولى في البلاد وأن البيادق التي يحركها باسم الرئيس المؤقت ورئيس الوزراء والوزراء لا تملك من أمرها شيئًا إلا أن تنحني أمام بيادته وتقدم له قرابين الولاء والطاعة.
ادعى قائد الانقلاب أنه خرج بناء أوامر الشعب ليزيح الرئيس الشرعي محمد عامة. ويعطل الدستور، ويحل المجلس التشريعي، ويصادر الحريات، ويعيد عصر مبارك الفاسد الظالم مرة أخرى. وقدم في سياق ادعائه مجموعة من الوقائع خرج أصحابها لتكذيبها في بيانات عامة.
الواقعة الأولى تتعلق بالدكتور محمد سليم العوا فقد ذكر صانع الانقلاب أنه نقل رسالة منه إلى السيد الرئيس الدكتور محمد مرسي حول الأوضاع التي سادت البلاد قبل 3/7/2013 ، قال العوا: "وأود أن أؤكد أن صلتي بالرئيس محمد مرسي تعود إلى أكثر من 23 عامًا ولم تزدها الأيام إلا قوة، وقدّمت، في كل مناسبة، مشورتي ورأيي وما ملكته من جهد للمساهمة في وضع الوطن على الطريق الصحيح، بحسب رؤيتي وقناعتي الشخصية. وأن صلتي بالسيد الفريق أول عبد الفتاح السيسي تعود إلى شهر فبراير 2011، وهي صلة قامت على التعاون لمصلحة الوطن.
وإنني أؤكد للجميع أنني لم أحمل في أي وقت، ولا في أية مناسبة، رسالة منْ أي منَ الرجلين إلى الآخر، ولم يكن هذا دوري، ولن يكون أبدًا، في صلتي بمن يدير شئون البلاد".
الواقعة الثانية تتعلق بالشيخ الحويني ولقائه مع قائد الانقلاب العسكري، فقد ذكر حاتم نجل الشيخ الحويني أن لقاء والده مع عبد الفتاح السيسي كان في وجود جمع من المشايخ يضم مجلس شورى العلماء والهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، وذلك في النصف الأول من عام 2012 قبل انتخابات الرئاسة بطلب من السيسي لبحث الأوضاع الراهنة وعرض المؤامرات المحيطة بالبلاد بعد نجاح الثورة، وفي هذا الإطار سأل والدي السيسي قائلاً- بحكم كونه رئيس المخابرات الحربية آنذاك ومطلعًا على دقائق الأمور- "هل ترى مصلحة في دخول الإسلاميين انتخابات الرئاسة؟!"
فرد السيسي عليه بأنه ليس من مصلحة البلاد أن يتقلد الحكم فيها رئيس إسلامي على الأقل هذه الفترة فقط لوجود مؤامرات تحاك لهذا البلد".
وأضاف أن السيسي ذكر في خطابه أن أبي وافقه الرأي وهذا غير صحيح بالمرة وإنما لم يتعدَ الأمر إلا سؤالاً وجوابًا فقط.
الواقعة الثالثة شهادة يقدمها هشام قنديل رئيس الوزراء المستقيل؛ حيث أكد أن "الدكتور محمد مرسي في قراراته، التي شهدتها بنفسي، كان يضع مصر أولاً وشعب مصر بجميع طوائفه فوق كل اعتبار.. وكان حريصًا على مكتسبات الثورة وحريصًا على الحفاظ واستكمال ما تم بناؤه من مؤسسات الدولة الديمقراطية وبكل تأكيد كان حريصًا أشد الحرص على حقن الدماء، دماء المصريين، ودفع التنمية في كل المجالات، وذلك لمصلحة مصر وشعب مصر".
وتابع: "وإن الدكتور مرسي كانت عقيدته- وأعتقد كان هذا السبب فيما حدث- أنه لا بد للشعب المصري أن يملك إرادته للغذاء والدواء والسلاح.. هذا كان هو المنهج والأساس في كل ما يقوله ويفعله.
وأضاف أنه فيما يتعلق بأحداث قبل وبعد يوم 30 يونيو، ففي آخر لقاء وآخر توصية للدكتور محمد مرسي للفريق الأول عبد الفتاح السيسي، أمامي، ظهر 2-7-2013 في الحرس الجمهوري بمنشية البكري، فقد أوصاه أن يحافظ على الجيش المصري، وكان الفريق أول عبد الفتاح السيسي يكرر من أجل مصر ثم ويكرر العرب ثم ويكرر الإسلام.
وأضاف قنديل: "حسب علمي وحسب مشاهدتي وحسب ما رأيته بنفسي فإن الدكتور محمد مرسي لم يكن يعلم بإنذارات وبيانات الجيش قبل صدورها.. بل اعتبرها تحيزًا لطرف دون الآخر وإفسادًا للمشهد السياسي وأنها لا تساهم في الهدوء بأي حال من الأحوال، وفيما يخص الاستفتاء فقد أبدى الرئيس الدكتور محمد مرسي مرونة في هذا الشأن، ولكنه رأى أن يتم ذلك بعد إجراء الانتخابات البرلمانية التي كان من المتوقع أن تجرى خلال شهر سبتمبر، والتي يتبعها تشكيل الحكومة حتى لا يحدث فراغ دستوري أو انحراف عن المسار الديمقراطي، الذي ساهم فيه الشعب من خلال استفتاءين وانتخابات مجلسي الشعب والشورى والانتخابات الرئاسية، إضافة إلى الدستور المستفتى عليه.. ولكن كان الإصرار أن يتم هذا الاستفتاء خلال أسبوعين، وهذا ما رفضه الرئيس لأنه كانت الأجواء ملتهبة ويستحيل معها إجراء استفتاء نزيه، مما سيعطى شرعية للانقلاب على الرئيس المنتخب".
الواقعة الرابعة شهادة رئيس مجلس الشورى أحمد فهمي حول ما ذكره قائد الانقلاب حول سعيه لحل الأزمة ورفض الرئيس مرسي الحل.
يقول فهمي: "في الساعة العاشرة صباحًا يوم 3/7/2013م اتصل بي اللواء ممدوح شاهين تليفونيًّا وسألني حول ما سيقوله الفريق السيسي للناس حينما يتحدث إليهم، وهل سيعتذر عن المهلة التي سبق أن أعلنها للقوى السياسية ويترك لها أن تتصرف مع بعضها البعض، فأخبرته بأنني لا أعلم ما سيقول لأني لم أقابله، فتم تحديد موعد للقائه الساعة الحادية عشرة. ذهبت للقاء السيسي فسألني: ماذا تريد أن تبلغنيه؟ فقلت له: أنت الذي اتصلت بي، فماذا تريد أن تقوله لي؟ فقال: نحن نريد إجراء استفتاء على الرئاسة خلال أسبوعين أو ثلاثة. فقلت له: إنها مدة قصيرة وقد يترتب عليها فراغ فأنا أرى أن يتم تغيير الوزارة، ويمكن أن تكون أنت رئيسها بجانب وزارة الدفاع، وبعدها يتم إجراء انتخابات برلمانية في وجودك؛ حيث إن الأغلبية تثق فيك ويترتب على انتخابات مجلس النواب تشكيل حكومة من حزب أو أحزاب الأغلبية، وبعدها تتم الدعوة إلى استفتاء على الرئاسة أو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وبذلك نتفادى حالة الفراغ. فرد عليّ بأن هذا حل طويل، ونحن نريد إجراء استفتاء في أسبوعين أو ثلاثة. فقال: هذا هو الخيار، فالحشود تطالب بذلك ولا أستطيع الصبر عليها. فأخبرته بأن هذا الحل غير مرض، وأن صور المظاهرات التي نشرت في الصحف نشرت صور مظاهرات المعارضة ولم تنشر صور مظاهرات التأييد للشرعية الدستورية ثم ذهبت للسيد الرئيس وعرضت عليه ما دار بيني وبين الفريق السيسي، فوافق على كل ما جاء في عرضي عليه حرصًا على استقرار البلد بوجود البرلمان والحكومة أولاً. ثم اتصلت باللواء ممدوح شاهين وأخبرته بما دار بيني وبين الرئيس وموافقته على العرض الذي ينشئ البرلمان والحكومة أولاً ثم يتم الاستفتاء على الرئاسة أو الانتخابات الرئاسية المبكرة، وطلبت منه توصيل هذا الكلام للفريق السيسي، فوعد بذلك".
وحدث الانقلاب العسكري الذي أطاح بالشرعية فعطل الدستور واختطف الرئيس وأخفاه حتى الآن ثم أصدر قرارًا باطلاً بحل مجلس الشورى. وخرج قائد الانقلاب ليردد وقائع نفاها أصحابها بكل وضوح، ولكن دولة الكذب أومصنع الكذب لا يتوقف ليعيد سيرة الكذاب الرائد جمال عبد الناصر الذي قاده الكذب إلى تقديم مصر لقمة سائغة للعدو والتخلف والهوان. ويبدو أن ناصر الصغير سيقود مصر على الطريق نفسه أيضًا! فضلاً عن المذابح التي يقيمها لأنصار الشرعية في القاهرة والإسكندرية وتحريك بلطجية الأمن لتدمير الوطن وتخريبه وحصار المساجد وتكسير أبوابها ونوافذها وقتل الآمنين وحصار الراكعين الساجدين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!