تجربة الحكم العلماني التي غرقت فيها مصر خلال قرن من الزمان أو أكثر تجربة فاشلة بامتياز وإن ادعى المدعون غير ذلك وبالغوا في مدحها، فالمشروع العلماني قد أثبت التاريخ فشله وأثبتت التجارب المتعددة عدم صلاحه ونفعه في أرض مصر..


لقد فشلت العلمانية بتياراتها المختلفة وأجنحتها المتعددة "الليبرالية" "والشيوعية" "والقومية" وتقلص نفوذها في مجموعات من الكتاب والمثقفين "فلول العلمانية" الذين يتشدقون بحرية الرأي والتعبير والإبداع والفن ويحاربون المشروع الإسلامي الذي أصبح حقيقة واقعة ملموسة ورغبة شعبية واسعة، تمثل ذلك في التأييد الجماهيري الواسع للمشروع الإسلامي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية النزيهة التي أجريت في مصر بعد ثورة يناير المجيدة..
نذكر هذا في الوقت الذي يظن فيه البعض أن المشروع الإسلامي في مصر قد صار إلى غير رجعة، وأن زمان الإسلاميين قد ولى وراح بعدما تمكن العسكر من الانقلاب على الشرعية وعزل الرئيس المنتخب وإقصاء الإسلاميين بل واعتقالهم والتنكيل بهم، في الوقت الذي أفسح فيه العسكر المجال للعلمانيين واللادينيين إلى الحكم والتحكم في رقاب العباد ومصير البلاد مرة أخرى..


ينبغي أن يعلم المصريون أن للعلمانية تاريخًا أسود  في بلادنا، تاريخًا حافلاً بالمآسي والنكبات التي تحتم على جميع الوطنيين والغيورين من أبناء هذا الوطن أن يتكاتفوا للحيلولة دون عودة الحكم العلماني لمصر مرة أخرى، إن  الحصاد المر للعلمانية لا يمكن أن يحصيه مقال أو يستوعبه كتاب لذلك نختزله في العناوين الآتية:


- إقصاء الدين عن مواطن التوجيه والريادة في بلادنا وجعله على هامش الحياة، والتفريق  بينه وبين أنشطة الحياة الأخرى السياسية والاجتماعية والفكرية، وهذا مما لا يتفق مع طبيعة الإسلام وعلاقته بأبنائه، فقد اعتاد المسلمون أن يكون الدين قائمًا وموجهًا لشئونهم العامة والخاصة، لا فرق في ذلك بين سياسة واجتماع أو بين اقتصاد وأخلاق أو بين اعتقاد وسلوك... إلخ.


- الانبهار بالحضارة الغربية وإنجازاتها انبهارًا يدفع إلى التقليد والتبعية المطلقة والتعامي عن عيوبها وشرورها وأخطائها وعدم التمييز  بين الغث والسمين منها على النحو الذي دفع بأساطين العلمانية في مصر وهو الدكتور طه حسين إلى القول بضرورة قبول الحضارة الغربية، بخيرها وشرها وحلوها ومرها ما يحمد منها وما يعاب... دون تمحيص لمذاهبها ونظرياتها وانتقاء لأجودها وأحسنها نفعًا للوطن والأمة..


- وقوف العلمانيين دائمًا مع الأنظمة الاستبدادية وصمتهم عما يحدث من مجازر وانتهاكات ضد الشعوب العربية والإسلامية وعدم انحيازهم لها في كفاحها ضد الاستبداد والمستبدين،  وكذلك وقوفهم بجانب العسكر في انقلابهم على الشرعية والدستور والإرادة الشعبية وذلك في سبيل تحقيق مصالح ومكاسب ومغانم سياسية هي منتهى آمالهم وأقصى رغائبهم.


- التمرد على الماضي والانسلاخ من الشرق والعروبة والإسلام وتقطيع الأوصال والجذور وازدراء إنجازات الأسلاف والأجداد وجحد فضلهم وعطاءهم، يبدو هذا سافرًا في كتاباتهم وأقوالهم وأعمالهم ومواقفهم..


- عمد الفكر العلماني في مصر إلى تجزئة الإنسان وتقطيع أوصاله وشطر كياناته ومكوناته المادية والروحية والأدبية، والفصل بين ما هو الديني والدنيوي والمادي والروحي والغيب والشهادة والدنيا والآخرة والعقل والقلب وذلك كما يفعل الغربيون في مجتمعاتهم..


هذا فيض من غيض من الحصاد المر للعلمانية في مصر، هذا الحصاد الذي يغفل عنه كثير من المصريين وينساقون وراء الشعارات البراقة الخداعة التي لا تنطوي إلا على الكذب والزور والبهتان. ألا فلينتبه المصريون إلى ما يحاك بهم ويخطط لهم.


أمرتهم أمري بمنعرج اللوى... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد