أصعب مشاهد الانقلاب، ما حدث من تأييد من جانب شباب كنا نظنهم على خير، شاركوا بقوة في ثورة 25 يناير المجيدة، وأبلوا بلاءً حسنًا، في الميادين وخارجها، حتى انزاح الكرب ورحل مبارك غير مأسوف عليه.
لم يكن صعبًا على العسكر الذين تآمروا على الثورة من أول يوم أن يستخدموا السياسيين الأفاقين لتأييد الشيء ونقيضه؛ لجبلتهم المنكوسة ونفاقهم وتلونهم.. لكن لم أكن أتصور أن يُستدرج شباب الثورة الذي عرّض حياته للخطر من أجل مصر إلى هذا المستنقع الآسن الذي شيده العسكر على أنقاض الشرعية التي دشنتها الملايين.
قاد العسكر جميع محاور المؤامرة، ومنها المحور الإعلامي، الذي نجح في تزييف وعي العامة، وأوجد رأيًا عامًا يكفر بالثورة، وبعدما كانت الهتافات تشق عنان السماء تردد "يسقط يسقط حكم العسكر"، تحولت تلك الهتافات إلى النقيض، بمحاولات استدعاء العسكر، وظهر شعار "آسفين يا جيش"، وانطلقت المسيرات التي تطالب بالنزول الفوري لقواتنا المسلحة، و"الاستيلاء" على السلطة الشرعية المنتخبة التي يمثلها الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية.. كان شباب الثورة في هذه الأثناء منقسم على نفسه، فأصحاب الذاكرة القوية لم ينسوا الطرف الثالث الذي أكدت كل الشواهد أنه من أعمال العسكر، كما لم ينسوا ما فعله جنود الجيش من ضرب للمتظاهرين السلميين، وتعرية الفتيات وسحلهن أمام كاميرات الهواء، أما الفريق الثاني من الشباب فكان قد ضاق بطول الفترة الثورية، واستجاب لإلحاح الجماهير في الإسراع بتجاوزها، خصوصًا مع ازدياد الانفلات الأمني، وظهور أزمات معيشية طاحنة، هي في الحقيقة من صنع الدولة العميقة وتحت إشراف العسكر.. وهذا الفريق من شباب الثورة يبدو أنه هو الأكثر عددًا، ومن ثم فهو صاحب القرار، وهو مع ذلك قليل الخبرة، قصير النفس، ليس لديه علم أو سابقة في التعامل مع خط سير الثورات من ناحية، ومع العسكر المصريين- تحديدًا- من ناحية ثانية، ما ورط الجميع في التعاون مع المتآمرين لتنفيذ انقلاب الثالث من يوليو الذي أعاد مصر ستين عامًا إلى الوراء.
ومهما كانت دوافع هؤلاء الشباب فما كان لهم أن يقعوا في هذا الفخ، لأنهم سوف يظلون- حتى يدينوا هذا الانقلاب- متواطئين مع العسكر، وسوف يبقون في دائرة الشبهات، مثل باقي السياسيين، ما لم يخرجوا على الناس ويعترفوا بخطئهم التاريخي ويعتذرون عن تأييدهم لما جرى، ويعاهدون الجماهير على الثورة من جديد على العسكر والفساد من ناحية، وعلى التبعية الذليلة من ناحية ثانية.
هناك- بالفعل- بعض هؤلاء الشباب من أفاق من غيبوبته، ورأيناه متحدثًا على منصة (رابعة) منددًا بما جرى، وهناك من هو متلجلج في رأيه وسلوكه، وهؤلاء سوف يعودون إلى الحق قريبًا إن شاء الله، وهناك طرف ثالث لا يرجى خيره، منهم من تكبر وأخذته العزة بالإثم، فهو لا يريد أن يعترف بالحق، لعدم إخلاصه أو لأنه جرى عليه ما يجرى على بعض السياسيين الذين يُلقى إليهم بالفتات فيسارعون بتقبيل الأحذية والنعال، كالشاب الثوري المعروف الذي قال منذ أيام (لولا شماتة الإخوان بي لكشفت أطراف المؤامرة)، وهذا قدم ذاته على الوطن، وحجب الحق عن الظهور خوفًا على نفسه من بعض الضرر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
في أثناء كتابة هذه السطور جاءتني اتصالات عدة، من أكثر من مكان بالقطر، وكلها تؤكد أن قطاعًا كبيرًا من الناس انحاز للحق، بعدما وضحت له تفاصيل المؤامرة العالمية الدنيئة على الشرعية، ما يؤكد أن انقلابًا شرعيًّا بدأ على الانقلاب الغادر.. وهذا يستدعي شباب الثورة أن يراجعوا أنفسهم، وأن يبادروا بالتصدي لهذا الباطل وإفقاده توازنه، قبل أن يستفحل خطره ويكثر شره ويصعب على المواجهة.
لا أتمنى- أبدًا- أن يسجل التاريخ أن أصحاب الرتب غرروا بالشباب الطاهر الوطني الثوري المثقف. قد لا يضر هذا التسجيل: الفلول، والسياسيين الملوثين، والطائفيين الحاقدين، والبلطجية، والإباحيين، والفاسدين.. لكنه يضر الثوريين، ويهيل التراب عليهم، ويطعن في كل الثورات الطاهرة النظيفة، ويحولهم من فئة الثوار إلى فئة التجار بالثورة، وهذا ما لا نرضاه لشباب جاورناهم في الميادين، ورأينا منهم إقدامًا ومروءة، واندفاعًا محمودًا لاستئصال الفساد ومنع الاستبداد، كما لا نرضى لهم أن يوضعوا مع المشبوهين الذين سبق ذكرهم في سلة واحدة، فهؤلاء ثوار ضحوا بدمائهم وأرواحهم من أجل بلدهم ودينهم، وهؤلاء فجار يريدونها جبرًا وغصبًا وفسادًا.
رحم الله رجلا فاء إلى الحق واعترف بالله، فإن الحق أحق أن يتبع، وبارك الله فيمن سعى إلى الرشاد واجتنب الضلال وأهله.. والله تعالى أدرى بقلوب العباد، فمن أراد الخير هداه إليه "أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (الأنعام: 122)، ومن لم يهده الله فلا هادى له من بعده: "وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ" (يس: 9).. نسأل الله السلامة.