فعلها قادة الجيش المصري وأعادوا مصر إلى الوراء ما يقرب من قرن من الزمان.. أعادوها إلى عهد الانقلابات العسكرية التي تكاثرت في العقد الخامس والسادس من القرن الماضي وأذاقت شعوب المنطقة الويلات في مصر عبد الناصر والعراق صدام حسين وسوريا حسني الزعيم وحافظ الأسد واليمن على صالح والجزائر هواري بومدين وليبيا القذافي وتونس بن علي. فقد سطرت تلك الانقلابات أسود الصفحات في تاريخ شعوب المنطقة قهرًا وسجنًا وتعذيبًا وقتلاً بالجملة وبدم بارد في السجون وأسقطت البلاد في هزائم عسكرية وأورثتها الفقر والذل والتبعية فقد الجنرالات الانقلابيون عبر تاريخ المنطقة حاضر شعوبهم ومستقبلها للاستعمار الغربي ومن باطنه الصهاينة. وقد كشفت الصفحات المطوية من ثورات الجنرالات خستهم وخيانتهم وعمالتهم رغم ما غسلت به التهم الإعلامية الشيطانية عقول الناس مبرزة إياهم أبطالاً قوميين.

 

وتساقطت تلك الانقلابات العسكرية وهوت بزعمائها إلى مزابل التاريخ وانكشف المستور من أفاعيلهم وعندما انتهى دورهم وخدماتهم الكبيرة لسيدهم تم إسقاطهم بوسائل شتى وطرق متعددة.

 

سقط عبد الناصر سقوطًا مدويًا بعد هزيمة كبرى على أيدي الصهاينة عام 1967م وضيع سيناء التي تساوي ثلث مساحة مصر وضاعت القدس والجولان على يد حافظ الأسد وسقط صدام حسين عام 2003م على يد الأمريكان وهم الذين جاءوا به على ظهر الدبابة وها هو بعث الأسد يتهاوى ولكن الاستعمار الغربي والصهيوني وأذنابهم يحاولون سنده حتى لا يستلم الشعب السوري المسلم بلده.

 

وأسقط الشعب اليمني والليبي والتونسي طغاتهم كما أسقط الشعب المصري طاغيته الأكبر في 25 يناير 2011م وسيسقط بإذن الله طغاته الجدد الذين انحازوا لتيار علماني فاجر يدعي الديمقراطية بينما حقيقته تنضح بالإرهاب ويصمم على اقتلاع الإسلام من مصر تمامًا وهكذا يتحدث قادة العصابة بكل فجور.

 

لقد هال الاستعمار الغربي الحديث والكيان الصهيوني وأذنابهم هالهم أن تخط مصر أول تجربة في تاريخها بانتخاب أول رئيس مصري مدني منذ عهد مينا حتى عهد مبارك وأعلن القضاء المصري فوزه على العالم كله بينما كان يحكم مصر المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي ولكنهم لم يمهلوه يومًا واحدًا بعد أن رفض بيع قرار مصر ورهن كرامة بلاده وبدأ يخطو خطوات واسعة نحو مشاريع عملاقة تجعل الشعب المصري سيدًا في بلاده وتحل له مشكلاته كمشروع محور قناة السويس وتعمير سيناء ومشروع الاكتفاء الذاتي من القمح وهي مشاريع ومشاريع التصنيع الوطني الكبرى والعدالة الاجتماعية، وهي مشاريع يجرؤ حاكم في تاريخ مصر على الاقتراب منها، لأنها كانت تمثل خطًا أحمر لدى الاستعمار لأنها تحقق الاستقلال الحقيقي للشعب المصري وتضعه على بداية طريق النهضة.

 

ولقد داس الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي على تلك الخطوط الحمراء وانطلق بقرار وطني جسور لتنفيذ تلك المشروعات العملاقة، وهو ما أرعب كل أعداء مصر، خاصة الكيان الصهيوني وأشعل الغضب في قلوب المتربصين بها حتى وإن أبدوا لها حبًّا وقربًا وإخوة.. فكان ذلك الانقلاب الذي رفضه وما زال القطاع الأكبر من الشعب المصري ولعل ميادين مصر وشوارعها تشهد بذلك الآن.

 

والغريب أن بيان الانقلاب كان مليئًا بعبارات عن صون الحريات ومعاملة جميع القوى على قدم المساواة وغيرها من الشعارات الناعمة إلا أن الواقع على الأرض يشهد بأن هذا الانقلاب جاء بخطة استئصال للإسلاميين جميعًا ومنعهم من أبسط وما يصدق ذلك تلك حملات الاعتقال لقادة جماعة الإخوان والنائب الفذ محمد العمدة والشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل وعمليات الغلق والتشميع والحرق للقنوات الإسلامية ومقرات الحرية والعدالة وغيرها خير شاهد كما أن عشرات الشهداء والجرحى الذين يتساقطون كل يوم برصاص الجيش والشرطة والبلطجية مؤشر مهم على العقلية الدموية للانقلابيين الذين صدعونا بحقوق الإنسان طوال الفترة الماضية. ومن هنا إذا لم يتدارك قادة الجيش المصري الموقف ويسارعوا بإعادة الأمور إلى طبيعتها وإعادة الرئيس الشرعي لموقعه رئيسًا للبلاد ثم يتم الاتفاق على برنامج واحد لإدارة البلاد فإن مصر يمكن أن أن تنزلق- لا قدر الله- إلى ما لا تحمد عقباه وسيكون الضحية في النهاية هو الشعب المصري العظيم.

 

إن الاعتقالات وكبت الحريات وعمليات القتل في الشوارع لا تخمد أبدًا ثورة شعب بل تزيدها اشتعالاً وأن الانقلابات العسكرية لم تعمر بلدًا يومًا بل خربته ولم تحقق خيرًا على لأحد بل جرت على المنطقة الوبال والهزائم والخسران.

 

---------------------------------

 (*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية

Shaban1212@gmail.com

twitter: @shabanpress