لم نتبن مواقف الرئيس مرسي ولم ندافع عنها، لا في تقربه من روسيا، ولا في اعتباره طهران جزءًا من الحل في سوريا. بحكم أنني سوري كنت أراقب الرئيس المصري فقط من خلال مواقفه من الثورة السورية وتقربه منها.
ولكنني على الدوام وقفتُ مع شرعيته وسعدت بمستواه العلمي، وأعجبني قربه من الناس، فهو أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، ليس فحسب بل يحمل شهادات عليا، وهو بالنتيجة فلاح يعرف الناس وهمومهم.
ومع أن الانقلاب على شرعية الرئيس في مصر كان مذهلاً بمعنى الكلمة، لكن المتأمل فيه بروية يعتقد أنه كان نتيجة طبيعية لاصطفاف العلمانيين واليسار والغرب بالطبع ضد شرعية شخصية إسلامية.
علينا أن نتذكر ما جرى في مصر نفسها عام 1954 عندما أطاح عبد الناصر بالإسلاميين، ثم ما حدث في الجزائر؛ حيث انقلب الجيش على نجاح الإسلاميين بنسبة تفوق التسعين بالمائة، في عام 1997 انقلب العسكر على أربكان في تركيا، وفي عام 2006 تم الانقلاب على حركة حماس التي اجتاحت شعبيتها كل الحدود. لكن، بالنسبة للعلمانيين أبناء الغرب، فإما أن يأتي الصندوق بهم وإما أن يطيحوا به.
تقوم ركائز الإعلام "الفج" على ربط الفشل بالإسلاميين أينما حلوا، وليس بالإخوان المسلمين حصرًا، فالعداء للإسلام مستمر منذ أمد بعيد، يكفي مثلاً أن تسمع تعليقات الحقدة من العلمانيين على "تخلف البلاد الإسلامية"، و"على الإرهاب الذي لا ينمو إلا بوجود جماعات إسلامية"، تقع المشكلة عند العلماني في اللحظة التي لا يستطيع إعلامه أن يثبت الفشل على الجهة المقصودة، وهي هنا الرئيس مرسي، فينتقل إلى التحريض والاستقطاب، وفي حال فشله يقوم التيار المعادي الواقف خلف الإعلام بالانقلاب على الجهة المقصودة والقضاء عليها.
من المؤسف أن الرئيس المصري لم يقم بتطهير الإعلام باكراً وكذلك الجيش والقضاء، ولو فعل لكانت الأمور اختلفت تماماً على الأرض. وكان من أخطائه ترك قنوات الفتنة العلمانية تبث كيفما تشاء، وترك رجالات في الجيش وفي الداخلية لا يتلقون الأوامر إلا من حسني مبارك. وعلاوة على ذلك وباسم الديمقراطية قرّب العدو وأبعد الصديق. وباسم تلك الديمقراطية سمح للفلول بالتغلغل من جديد في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية كلها، فافتعلوا الأزمات ابتداء بقطع الكهرباء وانتهاء بقتل مؤيدي الرئيس وتبرئة المجرمين مروراً بأزمات المواد البترولية.
عندما انقلب الجيش المصري على رئيس البلاد أغلق القنوات الفضائية الإسلامية على الفور، بل ووضع موظفيها في السجن، واعتقل الرئيس نفسه ورئيس مجلس الشعب السابق والمرشد العام للإخوان المسلمين، وقمع المتظاهرين في ميدان نهضة مصر بالسلاح الحي. وبينما كان البرادعي وعمرو موسى وصباحي يقفون ضد كل عمل يقوم به مرسي على اعتبار أنه تصرف ديكتاتوري، رحبوا بما فعله الجيش بما في ذلك قطع البث عن القنوات الفضائية.ولعلي أفهم هذا، فمحمد البرادعي كان عراب الاحتلال الأميركي للعراق، وهو صديق صدوق للكيان الصهيوني، ولا يتنافس في ذلك إلا مع عمرو موسى الذي لن ينسى التاريخ مواقفه من الاحتلال الأميركي للعراق ومواقفه إبان الاعتداء الصهيوني على غزة، ناهيك عن أنه كان رجلاً فاعلاً في حكومة الرئيس المخلوع مبارك.
إن العلمانيين لا يبحثون عن الديمقراطية ولا عن صناديق الاقتراع، إنهم يشبهون لاعب القمار، فإما أن يربح وإما أن يقلب الطاولة على من ربح. لقد كشفوا أنفسهم وحرضوا الناس على احتقار الانتخابات والصناديق، علاوة على ذلك فقد كشفوا عن مستواهم الاجتماعي والأخلاقي، فقد تظاهروا خلف دينا وإلهام شاهين وليلى علوي، وسجلت هيومن رايتس ووتش مائة حالة اعتداء جنسي واغتصاب بين صفوفهم. وهتف مناصروهم من ميدان التحرير وبكل وقاحة «شبيحة للأسد لأجل عيونك يا أسد»، فكيف يدّعون أنهم أهل ثورة وهم يهتفون لمجرم كبشار الأسد؟
لقد أدخل تصرف الجيش المصري البلاد في نفق مظلم، فالخوف الآن على مصر من اندلاع العنف، والخوف الآن على الثورات العربية الأخرى من انقلابات مماثلة.
--------------
* صحيفة العرب القطرية