منذ اعتلاء "الرئيس مرسي" سدة الحكم وهو يجابه مؤسسات دولة "مبارك"؛ فبدأوا معه "إستراتيجية الإفشال" التي عبرها بفتح منافذ عديدة لحل المشكلات الرئيسية، لينتقلوا إلى "إستراتيجية التأزيم" التي صمد أمامها بتغييرات وزارية ناجحة، وكلما تمكن من السيطرة على أزمة اختلقوا أخرى، فانتقلوا إلى "إستراتيجية" المحاصصة والتقسيم "ورفض" الرئيس "تقسيم" مصر" على أساس مصالح لا يعلم بها الشعب صاحب السلطة والسيادة، وأسس لمبدأ أن (التفويض الشعبي) فقط هو من يعطى الحق في سلطة ما أو ينزعها، فانتقلوا إلى "إستراتيجية الحصار"، والتي معها حولوا كل مشكلة إلى كارثة، فالنقص في الكهرباء يكفي معالجته بقطع الكهرباء نصف ساعة يوميًّا، ولكن اليد المتآمرة (المتحكمة) تُفاقم المشكلة لتصبح 4ساعات يوميًّا، ومثيلتها مشكلة الوقود بأنواعه، والمياه أحيانًا، والبوتاجاز سابقًا.

 

وكانت هنالك (يد) تتحرك في الظلام بدأب، ولها القدرة على أن تضغط زرًا فتغرق "مصر" كلها في أزمة طاحنة.. وقد اجتهد "الرئيس" وحكومته كثيرًا ولم يصرح لمواطنيه بعمق التآمر الذي كان سبب الأزمات.. ومع اقتراب قدرته على تجاوز المشكلات بدأت "إستراتيجية الإسقاط" حتى لا تكون لديه الفرصة لجمع الشعب حوله.

 

وكانت محاور خطة اﻹسقاط في 30/6 هي: -

 

أولا: رسم صورة ذهنية للمواطن بأن 30/6هو يوم (ثورة الشعب على الرئيس المستبد): وواجه الرئيس هذا المحور بالمؤتمرات الشعبية والقرارات الجريئة مثل (قطع العلاقات مع سوريا- حركة المحافظين- تعليماته للوزراء والمحافظين بتطهير الفساد خلال أسبوع) .

 

ورأت الجماهير "رئيسها" محفوفًا بالملايين في كل مناسبة، وظهر أنصار "الرئيس" بصورة قوية مما حول الصورة على الواقع من "ثورة شعب ضد الرئيس" إلى "خلاف حاد بين معارضي ومؤيدي الرئيس".

 

ثانيًا: جمع "الرأس المتآمر" كل الأطياف المعارضة والكنيسة ليظهر الرئيس وحيدًا، وبالتالي يفقد شرعيته الشعبية، فواجه "أنصار الرئيس" ذلك بالنجاح في حشد الأحزاب الإسلامية -رغم اختلافها- على مناصرة الشرعية، وبالتالي استقامت الصورة وظهرت أحزاب دستورية هائلة الشعبية تناصر "الرئيس"، وبالتالي إذا كانت هناك "معارضة حاشدة"، فهناك موالاة أكثر حشدًا، وأصبحت الصورة تتشابه مع كل الديمقراطيات، ولا معنى- بالتالي -ﻹسقاط رئيس يرعى الديمقراطية.

 

ثالثًا: اعتمد رأس المؤامرة على" القضاء" في تهديد شرعية "الرئيس"، ولكن محادثات الرئيس مع "القضاة" كانت قد تقدمت خطى مبشرة، وشارفت على التفاهم مما جعلنا نرى بعض الأحكام (المعقولة )مثل( عدم حل مجلس الشورى، وتنحى لجنة الانتخابات عن نظر الطعن، ثم مجهود "المستشار حاتم بجاتو" في مشكلة تصويت "الجيش والشرطة" والذي علمت أنه كان محل رضا الأطراف الثلاثة (الدستورية والجيش ومجلس الشورى).

 

وكان هذا من شأنه أن يقرب المسافات، وأوشكت الأمور العالقة مثل "قانون السلطة القضائية" على الحل؛ لاسيما بالتحركات النشيطة لوزير العدل، وهكذا اقترب "الرئيس" من إخراج محور "القضاء" كسند للتآمر.

 

رابعًا: اعتمدت "المعارضة" أخيرًا على "السفيرة الأمريكية" في الضغط على القادة العسكريين للتدخل ولكنها فاجأتهم بأن القادة رفضوا تمامًا وعليهم ألا يعتمدوا على نزول "الجيش" للساحة السياسية وظهر هذا التصريح من السفيرة الأمريكية وكأنه "الصدمة" للمعارضة (كما كتبنا في مقال سابق)، في حين أنه كان تصريحًا مخادعًا ليذهب بالعقول بعيدًا عن التنسيق بين "أمريكا" و"قادة المجلس العسكري"، وقد كنت - شخصيًّا- ممن يستبعدون التنسيق على مستوى (انقلاب عسكري) بين "أمريكا" و"المجلس"، ولكن هذا ما حدث وهو ما أقره "أ.فهمي هويدي" في حواره مع شبكة "ميادين" الخميس الماضي. وهكذا كانت مؤامرة  30/6قد أُفشلت ...وقد ظهر فشلها في يوم الجمعة  28/6 حيث كانت البروفة وظهرت الأعداد ضعيفة، ولكن تم التغلب على ذلك في يوم  30/6باستخدام براعة التصوير التليفزيوني التي تظهر المائة ألف كأنهم ملايين، ومع استخدام الأبواق الإعلامية المدوية مضافًا إليها التصوير العسكري بالطائرات من زوايا محترفة، فقد تم إظهار الأمر على أن الحدث جلل، وأن الشعب قد خرج في ثورة تصحيح.

 

ومع هذا فإن الحشود في ميدان "رابعة العدوية" كانت أضعافًا مضاعفة خاصة في أيام المليونيات، بل وكانت الاعتصامات (وهي عادة أقل من المليونيات) أكثر عددًا من حشود المعارضة .

 

وجاء إعلان "وزير الدفاع" في2/7  والذي يعتمد في مضمونه على الاستجابة لجماهير الشعب المصري فأصدر الإخوان وحلفاؤهم قرارًا بالنزول في كل محافظات "مصر" ليرى الجميع هذا (الشعب(، وظهر الفارق جليًا بين ملايين تتحرك بكل حماس وبشكل تلقائي، وبين احتشاد طائفي وشُرَطي، وكثرة من أبناء نظام "مبارك "...وقليل من المعارضين الحقيقيين والغاضبين .

 

ورغم أن احتشاد الملايين لتأييد الشرعية قد أحدث ارتباكًا في قرار "العسكر"، إلا أنهم تجاوزوه بثبات!! وكأن شيئًا لم يحدث؛ ليضعوا أنفسهم كطرف في العداء مع "السلطة الشرعية"، بدلاً من الصورة التي أرادوا أن يصدروها للمشهد بالداخل والخارج، والتي تمنوا أن تُظهر "الجيش" بمثابة الأب الحنون للجميع بمن فيهم "الرئيس".. والذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة !!.

 

نجح "الرئيس" بثباته في وجه قواته المسلحة التي انقلبت عليه ونجح أنصاره في كشف حقيقة المؤامرة: وظهر وصف  "انقلاب عسكري" المقيت، والذي حاول "العسكر" تجنبه بمسرحية هزلية يأتي فيها "بالبابا" و"شيخ الأزهر"، وبعض السياسيين بمثابة زينة "عيد الميلاد" الذي يحتفلون فيه بذبح (الديك الرومي).. وهو في هذه الحالة "الوطن مصر".

 

واكتملت "المسرحية" بدفع رئيس المحكمة الدستورية في الواجهة، محاولين منح المشهد صورة بريئة وهي (أن العسكر ينزعون السلطة من الشعب ليسلموها للشعب مرة أخرى) !!...وهي صورة مرتبكة غير محبوكة ﻷن الشعب لم يُنصّب أحدًا وصيًّا عليه.

 

وتأكد الجميع من أن الحادث على اﻷرض هو (انقلاب عسكري) حين تم اعتقال رئيس حزب اﻷغلبية، والمرشد السابق "للإخوان" في نفس الوقت الذي ادعى فيه "السيسي" أنه لا إقصاء ﻷحد، بل وأثناء دعوة "عدلي منصور "للإخوان للمشاركة في الحياة السياسية!!

 

تناقلت وسائل الإعلام الوصف الحقيقي للحدث فاحتقن "العسكر"، وأسفروا عن وجههم الحقيقي، وأصدروا عرائض الاتهام والضبط والإحضار وقرارات المنع من السفر، بالطبع ليس لرجال مبارك ولكن "للرئيس" وأنصاره، وكيف لا وقد عاد "النائب العام المباركي" على أسنة رماح "المجلس الأعلى للقضاء" المغلوب على أمره حينًا والمتآمر أحيانًا؟!

 

أيها الإخوان.. أيها اﻹسلاميون: أرجو أن تسجدوا لله شكرًا أن جاء هذا (الانقلاب(، ليشهد التاريخ أن أول رئيس إسلامي لم يتم إسقاطه بالشعب رغم تلاطم المشاكل والكوارث التي واجهها، ولكنه ووجه بالقوة الغاشمة التي فضلت مصالحها الشخصية على مصالح الوطن.

 

لقد كنا ندرك حجم المؤامرة، وكنا نريد أن نعرف بدقة من يحرك خيوطها، ومن الذي يجعل (الجبناء) يسبون "الرئيس" ويهينونه، ويجعل رؤساء الشركات تعمل ضد مصالح الدولة ليظهر "الرئيس" وحكومته بمظهر الفاشل؛ لتستلمه الألسنة الحداد التي يتناقل الناس كلامها بغفلة وجهل .

 

الآن عرفنا .

 

الآن استوعينا دروسًا كثيرة في فهم علاقات (تنظيم مؤسسات دولة مبارك) والعفن الذي يملؤها ...لكن يبدو أن "العسكر" هم الذين لم يعرفوا "اﻹخوان جيدًا، فلسنا الذي ينهزم ولا يُسلّم أمام الضربات الغاشمة، ولسنا الذي ينخدع بالمظاهر، ومن اﻵن فعل الانقلابيين أن يعدوا أنفسهم لمواجهة الشعب كله بقيادة "اﻹخوان".

 

سترى الآن بعض  "القرود" قافزة إلى المشهد ترتدي "الكرافت" أو تضع لحى مزيفة، ظانين أنهم أسقطوا "الإخوان"، والجميع يعلم أن هذه "القرود" كانت مجرد مطية "للعسكر"، وأن الرجال يصنعون المجد بأظافرهم أما الجبناء فيعيشون على الجيف.

 

وقد يحسب حاسب أن "الإخوان" بإصرارهم على "الشرعية" يعملون ضد "مؤسسة" أو مع أخرى... أو- حتى- ثأرًا من مجموعة... أو أنهم ينوون إحداث أي اضطراب في حياة المواطن بسبب رفضهم الانقلاب... ولكن الحقيقة أن "الإخوان" سيعملون بكل طاقتهم على تثبيت "الشرعية" بنفس إصرارهم على الاستقرار والتنمية مهما كان موقعهم. إن خدمة الوطن عند "اﻹخوان" لا ترتبط بموقعهم في الحكم أو المعارضة .

 

أقول هذا وأعلم أنه يضعنا في مربع "السذاجة السياسية"، ولكن الذي يعتبره البعض سذاجة يُعتبر عندنا ثوابت لا تتزحزح .

 

أصدقاء كثيرون قالوا "للإخوان": أتركوا المسئولية فهذا الشعب لا يحترم إلا الجلادين القساة.

 

وكنا نرد: إن الشعب ما زال يتنفس أول نسمات الحرية، ومع الوقت سيعلم من يعمل لمصلحته ومن يتآمر عليه.. وما زلنا نقول هذا .

 

إن "مرسي" هو رئيس كل المصريين، وقد أخطأ "العسكر" بانقلابهم، لكن "الرئيس" وأنصاره رجال... وسيظلون رجالاً، وهم يؤمنون بأن يد القدر تعمل عملها لتعدل أوضاعًا ما كان الرئيس وأنصاره ليستطيعوا عدلها إلا بصدمات يحسبها الجاهل نهاية... بينما يراها صاحب العقيدة اقترابًا من النصر.. وبداية لمرحلة جديدة من العمل والكفاح .