سيطر على الثقافة في مصر في الفترات الأخيرة، ثلة من العلمانيين واليساريين والناصريين، ظنوا أنهم هم المثقفون وأن الإبداع ملك لهم.

 

أما غيرهم فهم الظلاميون والرجعيون، حتى قال أحدهم في اجتماع: "إحنا العقول المستنيرة اللي في البلد".

 

وقد سيطر هذا الهاجس وهذه الروح على هذه الطبقة حتى صدقوا وأيقنوا أنهم فعلاً المثقفون الوحيدون الموجودون في البلد، حتى وصل الحال بهم إلى تنحية كل من ليس فيهم وإخفائه حتى لا يكون له جهد ولا دور، وإظهار كل أصدقائهم وكل من كان على فكرهم، حتى ولو تطاول على الدين وعلى الذات الإلهية، ما دام يتمتع بروح الإبداع والثقافة.

 

لقد صرح أحدهم بأن الإخوان ليس لديهم كوادر ثقافية وهدفهم طمس الثقافة، وليس منهم أسماء مشهورة. ولا أعرف ماذا يقصد بالاسم المشهور؟! وفي أي مجال؟! هل مجال الرقص والعري والسفور والأدب المبتذل أو الروايات التي تتطاول على الذات الإلهية؟! أم عن أي نوع من الثقافة يتحدث؟

 

نسي هؤلاء أنهم تسلقوا هذا المجال في غياب الشعب المصري كله وقت أن ضرب عبد الناصر، بيد من حديد، كل جموع الشعب المصري، بل حوَّل الوطن إلى سجن كبير إلا لمن يتزلف له ويقدم القرابين.

 

ظهرت هذه الفئات في هذا الوقت الذي كان فيه الإخوان يرزحون في غياهب السجون ويشاركهم كثير من الوطنيين في هذا الوطن.

 

أقول لهم: فأين أنتم من الشعراء والأدباء في كل عصر من عصور الإسلام؟! أم أن الثقافة مستحدثة والإسلام كان يحرمها وأنتم من ابتدعتموها؟!

 

الإسلام لم يحرم الثقافة والعمل بها، بل على العكس؛ حث الإسلام أبناءه على التعلم والقراءة فكانت أول آية نزلت (اقرأ). وقد سار الإخوان على هذا الدرب فكان منهم الشعراء كيوسف القرضاوي وأحمد حسن الباقوري، وعبد الحكيم عابدين ونجيب الكيلاني، وجابر قميحة والزجال سعد سرور، وشاعر السوريين عمر بهاء الدين الأميري، والشهيد سيد قطب، والقصاص الروائي عبد الرحمن البنا (الساعاتي) أخ الإمام حسن البنا، والشاعر عبد الرحمن بارود، وأمينة قطب، وأنور الجندي، ومحمد رجب البيومي وغيرهم.

 

اهتمام الإخوان بالثقافة

نبع اهتمام الإخوان بالأدب والثقافة من طبيعة هذا المجال الذي فجَّر مواهب كثير من أعضاء الإخوان، فكان لهم دور ملموس في شتى مجالات الأدب شعرًا ونثرًا، يُثرون به الحياة الأدبية، ويخدمون به الفكرة الإسلامية، ويوجهون به المجتمع نحو الإصلاح في اتجاهاته المختلفة.

 

ومنذ أن أنشأ الإمام الشهيد حسن البنا جماعة الإخوان، وهي تحفل بتنوع ثقافي فريد قلما يجتمع لهيئة من الهيئات أو حزب من الأحزاب؛ فأنت تجد في الإخوان الأستاذ الجامعي والطالب، الحرفي والموظف، وتجد كذلك الأمي والمثقف، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الفتاة والفتى.

 

ففي مجال الشعر نجد من شعرائهم عبد الحكيم عابدين، وأحمد حسن الباقوري، ويوسف القرضاوي. ومما كتبه عبد الحكيم عابدين:

هو الحق يحشد أجناده *** ويعتد للموقف الفاصل

فصفوا الكتائب آساده *** ودكوا به دولة الباطل

 

لم يكن الإخوان لهم في مجال الشعر فقط، بل اهتموا أيضًا بمجال المسرح، حتى إن الأستاذ البنا كتب يقول:

(إن الناس يعيشون بغير قلوب. وقد ربطتم قلوبكم وجهادكم بالله العلي القدير الذي يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، فادرسوا وتفقَّهوا في مبادئكم العالية، وتمعَّنوا في كتاب الله جيدًا. إن هذه الكتائب والفِرَق لم تُجهَّز لبغي ولا لطغيان، وإنما أُعِدَّت لتكون سلامًا في النفوس، ونظامًا للمجتمعات، وقوةً للحق، ومددًا لكتاب الله. إن الإخوان المسلمين لا يحاربون المسرح ولا المذياع؛ لأنهم ليسوا من الجمود بحيث يقفون هذا الموقف، وإنما يريدون أن يزيلوا أثرها السيئ المنصبَّ على نفوس الشباب والفتيات؛ ولذلك فهم قد أعدُّوا للمسرح قصصًا كريمًا، وأدبًا رائعًا، ومثلاً وتوجيهًا صادقًا".

 

ولقد برز في هذا المجال الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي الذي كتب مسرحيات متعددة، مثل "جميل بثينة"، و"عامان في شعب"، و"غزوة بدر"، و"صلاح الدين بطل حطين"، و"المعز لدين الله الفاطمي"، و"بنت الإخشيد"، و"أبطال المنصورية"، و"الهجرة"، و"ثورة دم" وغيرها.

 

وقام ببطولة هذه المسرحيات كثير من الفنانين المصريين، أمثال عبد المنعم مدبولي، وإبراهيم الشامي، وسراج منير، ومحمود المليجي، ومحمد السبع، وعبد البديع العربي، وشفيق نور الدين، وحمدي غيث، وعبد الله غيث، وإبراهيم سعفان وغيرهم.

 

وفي مجال الزجل، برز الإخوان واشتهر منهم الزجال "أبو هندية سيد محمد الهندي"، وسعد سرور.

 

لقد كان للإخوان دور في مجال القصة، خاصةً التي تحض على مكارم الأخلاق وتفضح وتعري مساوئ العلمانية ومظاهرها.

 

ومن هذه القصص، قصة "مسلمة" لعلي يوسف علام، و"راهب"  لمحمد الشافعي، و"ابن يعظ والدَيْه" لمحمد عطية إبراهيم، وغيرها.

 

كما برع كثير من الإخوان في مجال النقد الأدبي؛ إذ عملوا جاهدين على النقد البناء بعيدًا عن السب والبذاءة التي كانت منتشرة. ومن أمثلة من اهتموا بهذا اللون، محمد أسعد راجح، وعبد الرحمن الساعاتي، والإمام حسن البنا، وغيرهم.

 

لم يحرِّم الإخوان الثقافة أو يبتعدوا عنها، بل خاضوا غُمَرَها في حدود الأدب واللياقة ووفق الشريعة الإسلامية؛ ولذا كانت ثقافة الإخوان مرتبطة بالتربية الإسلامية التي تربَّوا فيها وعليها.