في مثل هذا الشهر(9 من يونيو 2004م) فاضت روح المهندس أكرم زهيري، كان ضمن 58 معتقلا من الإخوان، من رجال الأعمال والأثرياء، حيث صادرت سلطات الأمن أكثر من أربعة ملايين جنيه من بيوتهم وشركاتهم، إضافة إلى كميات كبيرة من الذهب، وقد تعرضوا للعنت الشديد أثناء اعتقالهم، ونُقل بعضهم من السجن -بالمخالفة- إلى مقار أمن الدولة للتنكيل بهم. وكان أكرم مريضًا بالسكر، فمنعوا عنه العلاج، فساءت حالته. وقد حذر إخوانه ومحاموه من تطور حالته، لكن المسئولين زادوا في إهمالهم له، وأصروا على حضوره جلسات العرض على النيابة وهو محمول على أيدى إخوانه.. حتى سقط منهم ميتًا يشكو إلى ربه ما فعله الطغاة المجرمون.

 

وكان قتل الأخ زهيري وتعذيب إخوانه وزملائه في القضية سببًا في تشكيل لجنة من البرلمان- بعد ضغط نواب الإخوان- قامت بزيارة عاجلة لسجن مزرعة طرة، وقد أكدت اللجنة أن 12 معتقلا من المعتقلين الثمانية والخمسين تم تعذيبهم بشكل بشع في مقر أمن الدولة بمدينة نصر بعد اقتيادهم إلى سجن الاستقبال في جو رهيب ملىء بالرعب والضغط النفسى. وتبين للجنة أنه تمت ممارسة عمليات تعذيب عديدة ولمدة تتراوح من يوم إلى ستة أيام كاملة، وبأشكال شاذة وغريبة عن النفس الإنسانية، وقد شملت: الضرب والركل، والتجويع وتعصيب الأعين، مع تكتيف اليدين من الخلف لمدة ستة أيام كاملة، مع خلع الملابس واستخدام الكهرباء في أماكن حساسة من الجسد، وإغراق الجسم في الماء حتى كاد البعض يموت خنقًا، بالإضافة إلى اصطحابهم لأماكن مجهولة في عربات، ووضعهم في (دواسة) السيارة، مع عصب أعينهم وتغطيتهم بعشرات البطاطين السوداء حتى لا ينكشف أمرهم، وتهديدهم بالقتل والتشريد إذا اعترفوا لأحد بممارسة تعذيب معهم.

 

وقد تعرض أكرم لإصابات في مختلف أنحاء جسده عند ترحيله من النيابة إلى السجن في سيارة لا تصلح لنقل الآدميين، وعندما تفاقمت إصابته وتفاعلت مع مرض السكر الذى كان يعانيه، لم تستجب إدارة السجن لمطلب زملائه المعتقلين بنقله لمستشفى متخصص ووضعه تحت الرعاية، الأمر الذى نتج عنه سوء حالته وتدهورها، فتم نقله إلى مستشفى قصر العينى قبل وفاته بيوم واحد (8 من يونيه 2004م)، إلا أن حالته كانت قد تدهورت ودخل في مرحلة حرجة..

 

يؤكد الدكتور أسامة نصر -أحد رفقاء أكرم في رحلة الاعتقال والتعذيب- هذا الإهمال، في إجاباته عن أسئلة لجنة البرلمان حول ملابسات وفاة أكرم قال: «بعد عودة أكرم من الاستكتاب كان مريضًا بشكل واضح بسبب ما تعرض له من ارتطامات في جسم سيارة الترحيلات أثناء رحلة عودته إلى السجن، وهذا ما جعله غير قادر على النزول من السيارة، فطلبت من إدارة السجن استدعاء طبيب بشكل فورى نظرًا لتطور الحالة، خصوصًا أننى أعمل أستاذًا في الطب.. ولما جاء الطبيب تصور أنه متمارض وقال: إن الحالة لا تستدعى عمل أشعة؛ حيث كنت أشتبه في وجود كسر.. وقد حملناه في هذا اليوم إلى الزنزانة بكرسٍ.

 

ويضيف د. أسامة نصر: في يوم الثلاثاء 1/6 طلبت من إدارة السجن استدعاء استشارى عظام، فالآلام أصبحت في زيادة مستمرة، وبالفعل حضر الاستشارى، فطلبت منه إرساله إلى المستشفى لعمل الأشعة اللازمة، فرفض وقال: إن الحالة لا تستدعى الأشعة أو النقل. وفى يوم الخميس 3/6 طلبنا الطبيب مرة ثانية فأكرم لا يستطيع النوم ويصرخ بشكل متواصل، وهنا وافق الطبيب على عمل الأشعة. وفى يوم الأحد 6/6 جاءت سيارة الترحيلات المعتادة لنقله إلى المستشفى، لكنه رفض ركوب هذه السيارة التى تسببت في تفاقم حالته، فطلبنا استدعاء سيارة إسعاف. وبالفعل أتت السيارة يوم 7/6 لكنها أتت بدون حراسة، فتم تأجيل الذهاب إلى المستشفى حتى يوم 8/6، كل هذا والحالة تتفاقم، حيث اجتمع عليه الكسر بمضاعفاته حتى أصبح في حالة يُرثى لها.

 

وأكد الدكتور رضا زهيرى، شقيق الشهيد، أنه عاين جثة أخيه فوجد بها آثار حروق دائرية على جانبى الصدر أسفل حلمتيه، وتجمعًا دمويًا أسفل الأذن اليمنى، وكدمات بباطن الساق، وكذلك بجانب الركبة اليمنى، وأضاف شقيقه: ولا نعرف إن كان به كسور بساقه من عدمه، فالأمر كان يحتاج إلى أشعة.

 

تسلمت الأسرة جثمان أكرم بعد منتصف الليل، وهذا مقصود بالطبع، وقد توجه به أهله وإخوانه إلى (ميت الخولى) بدمياط؛ ليتم دفنه مع أذان الفجر. وفى اليوم التالى أحاطت عدة آلاف من قوات الأمن بالقرية من جميع جوانبها، حتى الطريق عبر نهر النيل.. ولم يكتفوا بذلك، بل منعوا الأهل والأحباب من إقامة عزاء للشهيد؛ فقارئ القرآن هددوه إذا وصل إلى مكان العزاء، وبالفعل اعتذر ولم يجئ، ومنعوا تركيب أى ميكروفونات داخل السرادق، ثم قطعوا التيار الكهربائي عن القرية بكاملها.. ولم يكن أمام المعزين سوى الاستماع إلى القرآن الكريم من راديو سيارة شقيقه الدكتور رضا، الذي فتح أبوابها وقرّبها من المعزين.. ورفع صوت (الكاسيت) بالقرآن عاليًا.

----------

* amer.shamakh@yahoo.com