التحليل القيمي للأفلام المصرية لماذا؟

بداية أؤكد على أهمية أن يدور المفكر والمصلح (مفكر، عالم، داعية، صحفي معلم، فنان، مدرب... إلخ ) مع بوصلة مصلحة المجتمع ــ أى مصلحة وقته وزمانه فقد خلقه الله تعالى ومنحه العقل والعلم والوسيلة لخدمة عصره، ولا شك في محدودية الوقت والعمر، ومن ثم وجبت الحكمة والفاعلية.

بمعنى أن نكون جهاز رادار، واستشعار قيمي وثقافي للتسلل القيمي الهابط الذى يقدم للمجتمع، ونعمل على تشكيل شبكات مضادة تشبك مع ألوان وأطياف العمل الوطنى لتجديد العزائم وطرح البدائل بكل الأمل

أهمية الأفلام والمسلسلات

تنبع أهمية المسلسلات والسينما من طبيعتها الذاتية الجذابة للنفس البشرية عامة، بالإضافة إلى مدى تعلق الجمهور العربي المشاهد لها يوميا، حتى أن هذا الاهتمام يزيد ويبالغ فيه في اخص أوقات العبادة في العام.

فلا شك في قوة وسرعة وفاعلية تأثير السينما والمسلسلات في التكوين الثقافي والاجتماعي بل والاقتصادي للمجتمع من خلال سرعة تدفقها إلى الوجدان الشعبي، خاصة عندما تشكل المسلسلات والافلام والبرامج التفلزيونية مساحة بالغة من إهتمام ووقت الجمهور العربي، ويظهر ذلك جليا في العديد من المؤشرات والتى تبدأ بنمط التفكير ومعايير وطريقة الحياة ونمط الاستهلاك وصولا إلى المفردات اللغوية التي يستخدمها الناس في تعاملاتهم اليومية.

إذن هى بمثابة مضخات مفاهيم وقيم ثقافية واجتماعية وسياسية تضخ يوميا في عقول ووجدان أبنائنا واجيالنا الحالية والقادمة فتشارك بنسبة كبيرة في إدارة وتوجيه سلوكهم الفردى والمجتمعى.

بالمنطق الاستراتيجى السينما والتلفزيون احد اهم ادوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول الكبرى مثل أمريكا، لخدمة مشروعها العولمي في الهيمنة والسيطرة على الدول الأخرى، تماما هو أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الأنظمة الاستبدادية الضعيفة في تخدير وتنييم شعوبها خاصةفى مجتمعات تقضى من يقارب ثلث وقتها اليومى امام شاشة التلفزيون.

وابوح لكم بكلمة صرح بها مسؤول كبيرفى احد الدول الكبرى بالمنطقة لاحد العلماء عندما خاطبه لماذا تغلقون علينا الابواب وتحولوا بيننا وبينا الناس، فأجابه يا مولانا

انتم تفهمونا الناس وإحنا عايزينهم كده مش فاهمين حاجة.

لماذا خالد يوسف وايناس الدغيدى بالذات ؟

ــ قد يسأل البعض لماذا توجيه عدسة التحليل إلى افلام المخرج خالد يوسف، والمخرجة إيناس الدغيدى بالذات ؟

وفى وجهة نظرى أنه لعدة اسباب

ــ لجرأتهم الشديدة على القيم والثوابت ودخولهم إلى منطقة القيم الأساسية الحاكمة للمجتمع ومحاولة تفكيكها وتدميرها بشكل كبير ــ بمعنى أنهم الفئة المتخصصة في تدمير أسس وقواعد وأعمدة البناء المجتمعى.

ــ لمحاولتهم إستغلال الحالة النفسية المرضية العارضة ( المؤقتة) التي يعيشها المجتمع نتيجة تراكم العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والانقضاض على هذا المجتمع والجمهورالمتأزم نفسيا وتدميره والقضاء عليها نهائيا حتى لا تقوم له قائمة أخرى.

ــ حتى لا تتكرر هذه الحالة الغير صحية، وتتحول إلى ظاهرة من قبل الباحثين عن الشهرة والمال على أطلال اهليهم ومجتمعهم ووطنهم وامتهم.

ــ للشريحة الهامة والغالية والعزيزة على نفس كل اب وام ومدرسة ومؤسسة ومجتمع وامة ــ شريحة الشباب والتى تقدم له كافة أنواع الإغراء والإفساد لإلهاؤه وشغله

عن كل جاد يمكن ان يقوم به، بالإضافة إلى محاولة تسويد وإظلام مشهد الواقع والمستقبل من أمامه حتى يسلم بالامرالواقع إما الفساد او الهجرة.

بالمنطق الاستراتيجى السينما والتلفزيون احد اهم ادوات القوة الناعمة خاصة

فى مجتمعات تقضى من يقارب ثلث وقتها اليومى امام شاشة التلفزيون.

وبمنطق العكس البديل حتى تتضح اكثر الفكرة

تخيلوا لو ان خالد يوسف الذى يدعى في احاديثه التلفزيونية الناصرية والقومية العربية وأهمية الثورة على الاستبداد والفساد والعمل لبناء مشروع قومى عربى جديد

تخيلوا لو انه قدما فيلما يبعث فيه الامل في التغيير ويعيد احياء مقولات وافكار عبد الناصر القومية بأهمية الوحدة والعمل والانتج والتحرر الوطنى... الخ

وقدم في الفيلم بعض النماذج العملية للصمود والتصدى والعمل والانتاج والابداع الفردى

وتناول في سياقها بعض الوسائل المتنوعة للمقاومة والتغيير والاصلاح، مع إبراز بعض النماذج الواقعية المضيئة في المجتمع.

لاشك انه سيقدم بذلك شيئا جديدا وفاعلا وبناءا في المجتمع.

بطبيعة الحال ربما ترفضه الدولة بأجهزتها الرقابية المتعددة خاصة ان قدم الفيلم نماذج ووسائل جديدة وجريئة للتغيير، وقتها سيصبح المنع نعمة كبيرة حيث سيقدم دعاية وبعد مشاهدة الفيلم بالتأكيد سيخرج الشباب اكثر املا وقوة وجدة وفاعلية في المجتمع والحياة العامة بشكل عام.

ويصبح الفيلم تماهيا مع تطلعات ملايين الشباب والامة بأسرها.

أو أن يقدم نموذجا للشباب المسلم العائد من غياهب التجهيل والعنف والإرهاب

ليعود للحياة نموذجا للشاب الملتزم النموذج القدوة في سلوكه الفردي والعائلي والمجتمعي، والمساهم في حل مشاكل بيئته ومجتمعه، و المتعلم الناضج النابغ في أحد التخصصات ليخدم به مجتمعه وأمته من خلاله.

وبذلك يتحول خالد يوسف والعاملين في الفيلم إلى أبطال وطنيين حقيقيين يتماهون مع مصلحة مجتمعهم ويقدمون سينما حقيقية تتعامل مع الواقع بإيجابية.

تخيلوا لو أن إيناس الدغيدى

انتجت فيلما عن حياة الكاتبة الرائعة الفذة بنت الشاطىء أوعالمة الذرةالمصرية سميرة موسى والتى اغتالتها اجهزة المخابرات الصهيونية، بلا شك الفيلم سيكون مثيرًا للاهتمام، وباعثًا للأمل أن في مصر نساء عالمات مبتكرات وانها قادرةعلى إنتاج ألف بنت الشاطئ و سميرة موسى جديدة، ولأحيت تراثهم وأعمالهم وانجازاتهم الخالدة بين فتيات اليوم، وتقدم نموذجا حيا لفتيات مصر والعرب يحتذى به، بلا شك ستتحول ايناس الدغيدى إلى بطلة وطنية حقيقية.

الرسالة الأساسية في أي عمل سينمائى وتلفزيونى بلا شك تجيبك عن غاية ومقصد صانع العمل، و من هو المستفيد منه ومن هو المستهدف المتضرر منه، بصريح العبارة من هو صديقك ومن هو عدوك، ومن هو الذي يحب مصر، ومن هو عدو مصر.

فكرة بل حقيقة اخيرة اختم بها المقال: السينما والتلفزيون أداة فاعلة تستخدم أحيانًا لصالح الوطن، وأحيانًا ضد مصلحة الوطن، فالسينما الأمريكية تعمل جميعها في مشروع الهيمنة الأمريكية ومن ثم تعمل في خدمة مصالح الشعب الأمريكي، ومن ثم يجب ان تعمل السينما والتلفزيون والفضائيات المصرية والعربية لخدمة

ومصالح الشعب المصري والعربي.

يتطلب الأمر سياقًا إستراتيجيًّا عامًّا يضمن تحقيق ذلك، وهذا ما يؤكد ضرورة وجود مشروع قومى لتخطيط وبناء القيم والمحافظة على الهوية، وتوجيهها واستثمارها لخدمة مشروع تنمية ونهضة الأمة، تقوم به مؤسسة متخصصة في الصناعة المعيارية للقيم وتطبيقاتهافى مجالات الحياة والتنميةالمختلفة..

--------------

* مدير مؤسسة هويتي لتخطيط وبناء القيم