تترقب تونس خلال الأيام المقبلة ولادة دستورها الجديد الذي طالت مدة حمله وتعسر مخاضه على مدار عام ونصف، قبل التوصل إلى صياغة توافقية بين الأغلبية والمعارضة العلمانية، حول نظام الحكم ومبادئ ومفاهيم الحريات.

 

وأعلن زعيم حركة النهضة الإسلامية التونسية راشد الغنوشي، عن اتفاق الأحزاب الكبرى على الجمع بين النظام البرلماني الذي نادت به حركة النهضة، والتي تقود الائتلاف الحاكم، والنظام الرئاسي الذي طالبت به المعارضة العلمانية، من خلال تبني نظام سياسي مزدوج يتقاسم فيه رئيسا الجمهورية والحكومة السلطات، ما يعني تجاوز المسألة الخلافية الأكبر في باب السلطة التنفيذية التي تعطل بسببها صياغة دستور جديد لتونس.

 

تأخير التوافق على الدستور وتعطل صياغته، تسبب في توترات سياسية واحتقانات شعبية كبيرة خلال الشهور الماضية. ويدير البلاد حاليًّا المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان)، الذي تسيطر حركة النهضة على 40% من مقاعده بعد الفوز العريض الذي حازته في أكتوبر 2011م في أول انتخابات بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في ثورة 14 يناير.

 

الخلاف بلغ حد طلب سياسيين باستقالة المجلس الحالي، باعتبار أن مدته قد انقضت سياسيًّا وأخلاقيًّا بعد مرور عام من إعلان تشكيله، بحسب مرسوم رئاسي وميثاق أخلاقي، إلا أن الأغلبية ترى أن انقضاء المجلس يكون بأداء مهمته في صياغة دستور جديد لتونس الثورة، ثم تحديد موعد للانتخابات البرلمانية.

 

خريطة جديدة

تصريحات الغنوشي بالاتفاق على نظام الحكم المزدوج، تدفع في صالح تفعيل الأجندة التي تقدم بها رئيس البرلمان مصطفى بن جعفر، وتدعم إتمام وصياغة الدستور في شهر يوليو على أن يكون موعد الانتخابات في شهر أكتوبر المقبل.

 

وثمن مراقبون التنازلات التي قدمتها حركة النهضة في سبيل الاتفاق على نظام الحكم الدستوري، فيما اعتبر آخرون أن القراءة الحالية للدستور لا تضمن بشكل واضح ما أسموه "الحقوق والحريات الكونية للإنسان".

 

وتوافق تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" مع آراء تونسية اعتبرت أن مشروع الدستور لا يرتقي إلى آمال التونسيين، ولا يستجيب لمطالب ثورة 14 يناير، ورأت أن مشروع الدستور الجديد يتضمن فصولاً تهدد حقوق الإنسان، وقالت إن القراءة الثالثة لمسودة الدستور لا تعترف بكونية حقوق الإنسان إلا إذا كانت تنسجم مع "الخصوصيات الثقافية للشعب التونسي".

 

وقالت إن الصيغة الثالثة، التي تقدم بها المجلس في 25 أبريل الماضي، تدافع عن العديد من الحقوق الأساسية سواء أكانت مدنية أم سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أو ثقافية، إلا أن بعض موادها "لا تنسجم مع التزامات تونس على صعيد الحقوق الإنسانية"، مطالبة بكتابة واضحة لحرية الفرد وحقه في "تغيير الديانة أو أن يصبح (المرء) ملحدًا".

 

ومن بين ما اعتبرته المنظمة "تحسينات"، إلغاء فصول كانت "تهدد حرية التعبير من خلال تجرّيم أي شكل من أشكال التطبيع مع الصهيونية والدولة الصهيونية، والتعدي على المقدسات".

 

كما أثارت الحقوق النقابية المكتوبة في الدستور الجدل حولها، ورغم أنّ مشروع الدستور اعترف لأول مرّة في التاريخ التونسي بحق الإضراب، وتنظيمه بما يضمن عدم تعطيل المصالح العامّة، وكذلك ضمه لجملة من الضمانات والحقوق والحريات للعمال، إلا أنّ الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل، بوعلي المباركي، قال إنّ مسودة الدستور جاءت "مليئة" بالمفاهيم الفضفاضة التي تقيّد حق إضراب العمال، قاصدًا الضوابط الموضوعة لعدل تعطيل المصلحة العامة.

 

ويقر مشروع الدستور إنشاء محكمة دستورية ستطعن في كل القوانين التي تنتهك الحقوق الدستورية، ويتضمن جملة من المبادئ الأساسية التي تضمن الحقوق والحريات وتكرّس استقلال القضاء والفصل بين السلطات وتضمن حيادية الجيش والأمن ودور العبادة، وتدعم اللامركزية، ما وصفه رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر بأنه واحد من أفضل دساتير العالم حال إقراره.

 

نقاط للتوافق

وكان الرئيس التونسي منصف المرزوقي قد دعا مؤخرًا لحوار وطني يجمع فرقاء تونس ويقرب وجهات النظر حول القضايا الخلافية التي تعرقل المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها الانتهاء من الدستور وموعد تنظيم الانتخابات والتوافق على الهيئات الانتخابية والقضائية والإعلامية وكذلك تحقيق أهداف الثورة.

 

ومع رفض الحزب الجمهوري للحضور لرفضه النظام البرلماني، أعلنت حركة النهضة الإسلامية أنه بالإمكان تجاوز هذه الخلافات بالحوار، وتقاسم الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وتبني نظام مختلط للحكم.

 

نقطة أخرى تحتاج للتوافق عليها وتخص مسألة العزل السياسي لأبناء النظام السابق ورجاله؛ حيث تصر حركة النهضة عدم استبعاد وإقصاء حركة "نداء تونس" التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق الباجي قايد السبسي.

 

وأقر مجلس شورى الحركة تبنيه العمل لإنتاج قانون العزل السياسي، وهاجم حركة "نداء تونس"، التي اعتبرها إعادة إنتاج لحزب "التجمع" الحزب الحاكم السابق، "سيكون عارًا في جبين الثورة أن يواجه الناس في صندوق الاقتراع مرشحًا ضالعًا لحد النخاع بالاستبداد في النظام السابق" في اتهام مباشر للسبسي.

 

وقد شهدت جولة الحوار الأخيرة رفض أحزاب مثل حركة وفاء التفاوض مع حركة "نداء تونس" بزعامة الباجي قايد السبسي وحزب المبادرة الذي يتزعمه كمال مرجان آخر وزير خارجية بنظام بن علي، بحجة أنهم يمثلون رموز النظام السابق.

 

الحكومة الجديدة

التوافق الراهن يدعم الحكومة الجديدة، التي ترأس فريقها علي العريّض قبل شهرين، وفازت بثقة المجلس التأسيسي بتصويت 139 عضوًا لصالحها مقابل رفض 45 عضوًا، وتوزعت نصف حقائبها على ثلاثة أحزاب هي: النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل من أجل العمل والحريات، فيما ذهب النصف الآخر إلى مستقلين، بمن فيهم وزراء الداخلية والدفاع والخارجية والعدل.

 

كما يبشر التوافق وإنهاء حدة التوتر والتجاذبات السابقة في تخفيف الضغط على المواطن وتخفيف احتقان المرحلة الانتقالية بما يصاحبها من عدم استقرار سياسي وركود اقتصادي، ودفع الأمل إلى التونسيين في إمكانية الإصلاح وتحقيق التقدّم، فضلاً عن تحقيق الأمن وتبني آليات لمواجهة العنف.

 

وكانت الحكومة التونسية الجديدة قد وجدت ترحيبًا خارجيًّا خاصة من فرنسا وأمريكا، وقال الناطق باسم قصر الإليزيه إن فرنسا ستدعم حكومة علي العريض وتساهم في جهودها لتحقيق الانتقال السياسي، كما رحب وزير الخارجية الأميركي جون كيري بالحكومة الجديدة، وسمحت الولايات المتحدة بعودة موظفيها غير الأساسيين إلى سفارتها في تونس بعد ستة أشهر من سحبهم، إلا أنها حذرت من أن الوضع الأمني هناك "لا يمكن التنبؤ به".

 

وأعلن العريض أن حكومته وضعت برنامجًا يوازن بين السعي لوضع لبنات دولة المؤسسات وتحقيق أهداف الثورة، وبين العمل للاستجابة السريعة لتخفيف المشكلات الاقتصادية والأمنية الراهنة التي يدفع فاتورتها المواطن التونسي.

 

مشكلات للحل!

وتشهد البلاد منذ فترة توترًا في بعض المناطق الفقيرة، خاصة ارتفاع حالة التوتر بين الفرقاء السياسيين في تونس، والتي يحكمها ائتلاف ثلاثي تقوده حركة النهضة ويضم حزبي التكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية.

 

وتخضع تونس لقانون الطوارئ منذ 14 يناير من العام الماضي؛ حيث أقر المجلس تمديد السلطات في أغسطس الماضي العمل به شهرًا إضافيًّا، الأمر الذي لم يمنع تزايد أعمال العنف واغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في السادس من فبراير الماضي وسط تونس العاصمة، نتيجة استمرار التشنج والتجاذبات بين الفرقاء التونسيين.

 

ويدعو زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي إلى اعتماد الحزم والإصرار على فرض النظام، باعتباره هو الوسيلة الأمثل لمواجهة تعسف أي حركات أو أحزاب في استخدام الحرية، بما لا الحريات العامة في البلاد وعلى أمنها.

 

ويخشى التونسيون استمرار أعمال العنف في الوقت الذي تستعد البلاد فيه لاستحقاقات مهمة أبرزها الانتخابات التشريعية والرئاسية التي يُفترض أن تتم قبل نهاية العام الحالي، بحسب خريطة الطريق الراهنة.

 

السلفة الجهادية

وتواجه الحكومة ملفًا مهمًا بعنوان السلفية الجهادية الذي يرى مراقبون تشكيلها خطرًا كبيرًا على تونس كلها، لاسيما على صورتها وعلاقاتها الخارجية، بعد الهجوم على السفارة الأمريكية بتونس، والذي أسفر عن سقوط أربعة قتلى، في خضم الاحتجاجات على فيلم مسيء للإسلام تم إنتاجه في الولايات المتحدة.

 

وكانت الحكومة قد أعلنت حظرها التجمع الذي نادت به منظمة سلفية جهادية يوم الأحد المقبل في القيروان، موضحة أن المنظمة لم تلجأ للوسائل القانونية التي تسمح وتنظم مسألة التظاهر، مؤكدة أن واجبها هو تطبيق القانون دون تمييز.

 

من جانبه؛ أعلن راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة أن الحوار غير ممكن المجموعات الجهادية المسلحة مع الذين يستخدمون الأسلحة ويزرعون الألغام، موضحًا أن الأمن يلاحقها في غرب البلاد على الحدود مع الجزائر.

 

ويرى أن الفرق في المعاملة بين السلفيين يقوم على مبدأ الاستجابة أو المخالفة للقانون، وقال في تصريحات سابقة لوكالة فرنسية: "النقد ليس موجهًا إلى فكرهم وتيارهم رغم اختلافنا مع هذا الفكر في جوانب كثيرة، ولكن هذا البلد بلد حرية، والثورة أسقطت كل وصاية على الفكر وتركت المجال للفكر مفتوحًا".

 

ويؤكد الغنوشي أن مهاجمة السفارات "مؤامرة" هدفها وقف حوار أمريكا مع الإسلاميين، وأن وراء هذه الأعمال جهات ترفض أي حوار من الإسلاميين وثورات الربيع العربي وعلى رأسهم اللوبي الصهيوني والجناح اليميني المتطرف في أمريكا.

 

استحقاقات التوافق

وتواجه حركة النهضة- بحسب تصريحات زعيمها– تراجعًا في شعبيتها، نتيجة تحملها للسلطة في تلك الأوقات الحرجة والعصيبة في تاريخ تونس، ما يجعل الدستور الراهن محل تحقيق كبير من الشعب للتأكد وضمان تحقيقه لأحلام كل التونسيين، وموافقته للشعار الذي تم انتخاب النهضة على أساسه، ببناء دولة تجمع الإسلام والحداثة.

 

والتوافق الحالي قد يعفي تونس من تنظيم استفتاء شعبي على الدستور، إذا نجح نواب المجلس التأسيسي في المصادقة على مشروع الدستور بأغلبية الثلثين من أعضائه الـ217، إلا الشعب كله بانتظار توافق أكبر حول باقي المسائل مثل قانون العزل السياسي والعدالة الانتقالية، وباقي المتعلقات بكيفية تحقيق أهداف الثورة.

 

ويحتاج الإعلان الأخير إلى استمرار الأطراف المعنية في الحوار والتوصل لاتفاقات تسهم في إنجاح المرحلة الانتقالية، والتفاعل إيجابيًّا مع التطورات بما يؤمن المضي في خريطة الطريق الراهنة نحو دولة مؤسسات دستورية وقانونية مطلع 2014م المقبل.