- يجب أن نقف بالمرصاد لمن يريدون سرقة المجتمع وأن نرد الشاردين منهم إلى الحق

- الرفق والرحمة واللين في الخطاب حتى مع المسيئين من أهم مبادئ دعوتنا

- أهل دعوة الحق ورسالة الخير، ليسوا طلاب مغانم ولا مصالح على الإطلاق

- حرب الكلمة على المشروع الإسلامي وتشويه أنصاره ليست أقل خطورة من الحرب المادية

- جماعة الإخوان ليست لها مطامع في السلطة ولا تنتظر مكاسب خاصة من ممارسة العمل السياسي

- المرحلة القادمة تحتاج التضحية والصبر لتحقيق أهداف المجتمع والتعريف بالمشروع الإسلامي

- لسان الإنسان الذاكر وقلبه الشاكر ونفسه الموصوله بالله هي السبيل لإعمار هذه الدنيا بالخير

 

أسوان: محمد عبيد

 

أكد الدكتور ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺒﺮ عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع المنصورة، وﻋﻀﻮ ﻣﻜﺘﺐ ﺍلإﺭﺷﺎﺩ ﺑﺠﻤﺎﻋﺔ الإﺧﻮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ أن صاحب الرسالة والدعوة لطيف خفيف في أخذه للناس إلى طريق الله تبارك وتعالى، كما تحدث القرآن الكريم عن النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال : "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران: 159).

 

واستشهد بما حدث مع مالك بن دينار أحد الأئمة العباد الزهاد المحدثين، الذي كان يصلي في بيته ذات ليلة، فدخل عليه لص ليسرقه فلم يجد، ثم نظر فإذا بمالك يصلي، فعندها سلم مالك، ونظر إلى اللص فقال: يا هذا فاتك حظك من الدنيا، جئت تسأل عن متاع الدنيا فلم تجد فهل لك في الآخرة من متاع؟! فقال الرجل وما ذاك، فقال مالك تتوضأ وتصلي ركعتين، فبدأ مالك يعظ فيه، حتى بكى، وذهبا معًا إلى الصلاة، وفي المسجد تعجب الناس من أمرهما: أكبر عالم مع أكبر لص، أيعقل هذا!.. فسألوا مالكًا، فقال لهم: جاء ليسرقنا، فسرقنا قلبه، من أن يكون عبدًا للشيطان ليكون عبدًا للرحمن، وسرقناه من طريق النار، إلى طريق الجنة.

 

جاء ذلك خلال اللقاء الأسبوعي للإخوان المسلمين بمحافظة أسوان بالمسجد الجامع بكورنيش نيل أسوان تحت عنوان "محاور المشروع الإسلامي لتحقيق مشروع النهضة".

وقال إن أمتنا تتعرض لحالة كبيرة جدًا من السرقة، وهذه السرقة ليست في السرقة المادية التي نهب فيها الكثير من الأمة، وهي ليست المشكلة، ولكن المشكلة تكمن في محاولة سرقة عقول الأمة، وفي محاولة سرقة أخلاق الأمة، ورسالتها، وفي محاولة لنقل الأمة عن رسالتها الطبيعية لتكون شيئًا آخر غير ما أرادها الله سبحانه وتعالى، وهي السرقة الكبرى التي يعمل لها إبليس وجنوده بمكر الليل والنهار، يقول الله تعالى: "وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ" (الأنعام: 121)، مضيفًا بأنه لكي يسرقك الشيطان، ويسرقك عقلك وأخلاقك ويأخذك بعيدًا عن دورك وعن رسالتك، لا بد أن يقوم بعمل ذلك بتلطف وهدوء، والسعي إلى إقناعك بالباطل الذي يريد جرك إليه، "وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ".

 

ودعا فضيلته الحضور، بأنه من الواجب عليهم أن ينتبهوا لهذه السرقة، وأن نقف لها بالمرصاد، وأنه من واجبنا أن نسرق الذين يريدون أن يسرقونا، وأن يكون من أكبر همنا أن نرد الشاردين من قومنا إلى الحق، وأن ننقذهم من النار، هي مسألة لا بد أن تكون في حس المسلم، وفي وعي المؤمن الصادق، في أن يشفق على هؤلاء الذين يسيرون منزلقين إلى جهنم، بوعي أو بغير وعي، وأن يكون قلبه رحيمًا بهؤلاء الضالين فيسعى إلى استنقاذهم، يقول الله تعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (آل عمران: 103).

 

واستشهد بحديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الذي قال قَالَ: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (5/141).

 

ونوه فضيلته بأن القضية ليست في إسلام الغلام، ولكنها تتمثل في أن النبي الكريم قد أنقذ روحًا من أن تكون حطبًا لجهنم، وهي الروح التي لا بد تتلبسنا نحن أتباع محمد صلي الله عليه وسلم، وأننا لسنا فقط علينا أن نقوم بواجب بيان البطلان والفساد لمن يريد أن يسرقنا، وإنما نحن ندرك أن علينا واجبًا أيضًا في أن ننقذه هو كما ننقذ غيره، ونرى أننا لو سكتنا على هذا فقد ضيعنا حقه علينا، وحق الأمة علينا، بل إن رسالتنا لا تكون رسالة، ولا نكون بحق وبصدق أتباع محمد صلي الله عليه وسلم، ما لم يكن هذا العنوان شاغلنا دائمًا.

وأضاف أن الله تعالى حينما وصفنا بالخيرية حدد أسباب هذه الخيرية، فقال تعالى: " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ " (آل عمران: 110)، وأنها أمة أخرجها العليم القدير، فلم تخرج على الناس لتستعلي عليهم ولتتسلق ولا ليكون أبناؤها أصحاب سلطة كما يحاول أصحاب العقول أن يرجوا للناس، أن دعاة الإسلام طلاب سلطة، بل هم خرجوا للناس ولأجل مصلحتهم، وهي وظيفة أصحاب الرسالات والدعوات من أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم، في إنقاذ أنفسهم وإنقاذ الدنيا معهم، حتى من الخصوم والأعداء الذين أضلهم الشيطان.

 

وتناول فضيلته، سبل بناء المجتمع المسلم وكيف ربى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على أخلاق الإسلام، موضحًا جوانب من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف شئون حياته وكيفية تعامله مع كل المشكلات والمسائل التي أحاطت بالمسلمين في هذا الوقت وكيف ربى الصحابة على سلامة الصدر وأنه طوق النجاة.

 

وطالب فضيلته، الحضور بالرفق والرحمة واللين في الخطاب، حتى مع المسيئين، وهذا ما علمنا إياه القرآن في قوله تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون الذي طَغَى "فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" (طه:44)، وفي قوله تعالى لرسولنا الكريم "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (آل عمران: من الآية 159)، وأن مهمتنا أن نتلطف بعباد الله لا لكي نأخذ ما في جيوبهم أو لكي نستعلي عليهم ولا لشيء، إلا لكي نأخذهم إلى ما فيه سعادتهم في عاجلهم وآجلهم، وإلى ما فيه راحتهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة، وهي رسالتنا بكل وضوح.

 

واستنكر د. البر ما يشاع، وما يدعيه، بعض ممن ينتمون إلينا من قومنا ومن بني جلدتنا؛ حيث يريدون أن يزيفوا وعينا ووعي الأمة ويقولون إن الذين يحملون رسالة الإسلام ومشروع الإسلام ليسوا أصحاب رسالة في الحقيقة، وإنما هم يريدون سلطة، ويريدون تمكنًا من رقاب الناس فقط، وأن المشروع الإسلامي هو مشروع لقطع الأيدي والأرجل، وضرب الناس، وتكميم الأفواه، وإغلاق البيوت على النساء، ومنع السياحة، يظنون أن الشريعة الإسلامية في قطع أيدي الناس، ولكن الأيام أثبتت زيف كل تلك الادعاءات.

 

وأضاف أن هذه محاولة للتزيف وليست جديدة، فما من صاحب رسالة أو صاحب دعوة إلا قيلت له هذه التهمة، يقول تعالى: "قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ 10 قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (إبراهيم: 10-11).

 

وقال فضيلته، العجيب أن الأيام دائمًا مع مرورها تثبت أن هذا الادعاء باطل، وأن أهل دعوة الحق ورسالة الخير، ليسوا طلاب مغانم ولا مصالح على الإطلاق، وحتى لو وصلوا لها فهم يصلون إليها ويطلبونها لخدمة الخلق ولهداية الناس ولإسعاد البشر دون أن يكون لهم حرص على جمع مكاسبها أو حرمان الناس منها، ولذلك مع مرور الأيام يكتشف عموم الناس زيف الادعاء.

 

وعرَّف فضيلته، الشريعة بأنها عنوان أكبر وأعظم وأجل، وأن هذا الذي يذكرونه، تسميه الشريعة الحدود، والحد هو ما يحيط بالشيء، فالقصر له سور يحرسه، فلو جاء إنسان ووضع يده على سور القصر وقال إنه القصر لأعده الناس من المجانين، فالقصر هو ذلك البناء الفخم الضخم الشامخ المليء بكل المظاهر التي تنشرح القلب فيه حين يدخله، أم السور فهو لحماية القصر ولا بد منه ولكنه ليس القصر، وهذه هي المشكلة أن هؤلاء الذين ينفرون الناس من المشروع الإسلامي، أنهم يتركون المشروع الإسلامي العظيم ويحاولون تخويف الناس، ولا يركزون على المشروع الإسلامي إلا في الحدود فقط، فلا يشيرون إلى ما في هذا الإسلام من جمال وكمال وآداب وأخلاق وقيم وقواعد، إذا طبقناها عشنا في هذه الدنيا في جنة قبل جنة الآخرة.

وأوضح أن حرب الكلمة على المشروع الإسلامي وتشويه أنصاره ليست أقل خطورة من الحرب المادية؛ حيث نلاحظ الضغط الشديد من وسائل الإعلام وبعض القوى التي تسعى لبث روح اليأس للمواطن المصري مُتناسين ما خلفته الأنظمة السابقة من فساد في المجتمع قائلاً: يجب أن نكون واثقين من أن المشروع الإسلامي هو سبيل الأمة للقيادة والريادة.

وأكد أن جماعة الإخوان ليست لها مطامع في السلطة ولا تنتظر مكاسب خاصة من ممارسة العمل السياسي، ولكنها تحمل مشروعًا ينبع من الفكر الإسلامي لخدمة الأمة.

وأضاف أن أي نهضة حقيقية قوامها الإنسان فإذا كان الإنسان مهيأ للبناء فسينجح في ذلك، أما إذا كان مهيأ للهدم فسيفشل في النهوض بطبيعة الحال، والبناء يبدأ من بناء النفس والقلب فهكذا كان يفعل الرسول الكريم، مشيرًا إلى أن المرحلة القادمة تحتاج التضحية والصبر لتحقيق أهداف المجتمع والتعريف بالمشروع الإسلامي الذي سيحقق آمال المواطنين جميعًا وسيرفع من شأن المسلمين والعرب جميعًا.

واختتم فضيلته اللقاء بدعوة أصحاب المشروع الإسلامي إلى الصبر والمرابطة والعمل وتحمل المصاعب من أجل نهضة الإسلام والوطن، فالمشروع الإسلامي، يرفض الأنانية، ويرفض الاحتكار، ويرفض استغلال ثروات هذه الأمة لمصالح فئات أو أشخص، ويرفض منع العلم عن الناس ومنع تقديم الخير للناس، وهو يقوم ليس على الأمور المادية التي يجب أن يسعى صاحب المشروع إلى أن يجعلها لمصلحة الجميع، وأن يتحقق بها العدل الاجتماعي بين الناس، ولكن أيضًا في المعارف العلمية والشرعية، فلا يجوز للعالم أن يتأخر عن تعليم غيره ولم يطلب منه الناس ذلك، فإن المشروع الإسلامي يسعي لأن ينشئ أمة كلها متعلمة.

ونوه بأن الإنسان إذا صلح، صلح معه كل شيء، ووجد معه أسباب النجاح، وأن لسان الإنسان الذاكر وقلبه الشاكر ونفسه الموصوله بالله يجب أن تعلمه أن من واجبه إعمار هذه الدنيا بالخير، وأنه لا بد على صاحب الرسالة أن يتعلم كل أسباب الإعمار، فينطلق الإنسان ليتعلم كل ما يتعلق بالأرض وعلومها وطبقاتها، وكل ما يتعلق بالزراعة من علومها وفنونها، والطب، ينطلق في هذه الحياة.

وأشار فضيلته، إلى أنه لن ينصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها من خلال التسديد والمقاربة في الأمور واحترام سنن الله وشرائعه.