نبهها صوت العصافير إلى طلوع الصبح، فغالبت صداع رأسها كي تنهض من الفراش بعد أن جفاها النوم وأنَّى له أن يأتيها وهي تنصت طوال الليل إلى الذئاب العاوية التي تنفخ في رماد حرائق الوطن، وتلعق بشراهة جراحه الدامية، وتنشر الفزع في القلوب، وتجعل المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.
حانيةً نظرت إليه، فلمعت عينا طفلها ذي العامين، وابتسم لها ابتسامة مشرقة لم تبادلها بمثلها إذ ذكَّرتها بالمجهول الذي ينتظره وينتظر الوطن في ظل حكم رئيس يُرمى بكل النقائص وأبشع التهم.
لأجل طفلها اضطرت لفتح النافذة كي يدخل نور الشمس، ويطرد ظلام الليل البهيم الذي خيم على غرفتها كما خيم على وطنها عقودًا طويلة فغسل الأدمغة بقطران حالك صبَّه عليها الرويبضة صبًّا.
تسلل عبير الصبح العليل لكنها لم تلحظه إذ انشغلت عيناها بمنظر راعها وأثار حفيظتها وغيرتها على حبيبها الوطن المفدى؛ فانفجر بركان الغضب داخلها، ولم تلذ بالصمت كالحملان بل قررت أن تتصدى للجريمة المنكرة، فارتدت غطاء رأسها القصير، وحملت طفلها الصغير، وهرولت إلى الشارع لمواجهتهم.
لم يكونوا سوى باقة من شباب بعضهم روى بدمائه ميادين الوطن؛ فأينعت الحرية في أرجائه، وتنسم شذاها جميع أبنائه، وأرادوا استكمال ثورتهم المجيدة، ففكروا في خدمة حيِّهم، والتخفيف من معاناة أهلهم، وانطلقوا إلى الحفر المنتشرة في الطرقات يطمسونها بالأسفلت.
ولأنها سمعت عنهم؛ لم تنتظر كي تسمع منهم، وأصدرت الثائرة عليهم حكمًا بالإدانة- بمجرد النظر- ذلك أنها ضبطتهم متلبسين بمساعدة الناس رافعين شعار "معًا نبني مصر".
ولم تنتظر المساعدة بل قررت أن تنفذ الحكم بنفسها- حسبة للوطن-، فصالت وجالت في منتصف الطريق، وهي تحذر السائرين وتشير لفعل الشباب وتصرخ: "رشوة.. رشوة.. رشوة انتخابية".
واصلت مهمتها الوطنية، فلم تبالِ بسخرية أحد الشباب: "هذه أكبر رشوة في التاريخ، فنحن نخدم مجتمعنا دون انتظار مقابل منذ 90 سنة"، ولم يثنها كذلك عدم اكتراث أصحاب السيارات الخاصة.
أما الصفعة التي لم تتوقعها فقد امتدت إلى أذنها من فم سائق سيارة أجرة يجمل همَّ أقساطها وكساد حل به وبكثير من إخوانه الكادحين، فانفجر صائحًا: "وما المشكلة؟، انزلي واخدمي بلدك مثلهم، اشتغلي معهم، ابنوا بلدكم بدلاً من الحديث في الفضائيات، كفاكم وقفات احتجاجية مخربة، شاركوا معهم، شاركوا معهم".
أصيبت السيدة الشابة بالذهول من هول الكلمات التي ربما تسمعها لأول مرة، وتلعثمت وهي تبرر لنفسها مرددة ما سمعته من قبل: "هذه رشوة، منكم لله، كمواطنة يجب على دولتي أن ترصف لي الطريق وليس الحزب الحاكم".
ويبدو أنها لم تقتنع بما قالته إذ أصرت على الصراخ من جديد لكن مع انكسار في صوتها: "رشوة".
لمن أراد مشاهدة القصة من أولها كاملة ابحث على "يوتيوب" عن: "هانسفلتها.. معًا نبني مصر".
http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=HdYSGwXzoXU