وصل الرئيس محمد مرسي إلى سدة الحكم في مصر في جو مشحون بالشائعات وعدم الثقة، بل المؤامرات والحروب غير المعلنة بين القوى والتيارات المختلفة  بعد أن استفاقت قوى الداخل والخارج على قرب اكتمال نجاح الثورة المصرية وجني ثمارها وبدأت موجات الثورة المضادة ورياحها العاتية تتوالى في الهبوب عليها لوأدها في المهد والحيلولة دون هذا النجاح المتوقع والمؤكد.


فعندما شعرت هذه القوى أن الأمر سيؤول للإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان المسلمون (التيار المنظم القوي ذو التاريخ الطويل في العمل في كل المجالات الدعوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية) ظهرت القوى التي كانت قد اختبأت مؤقتًا عقب الثورة لتبدأ بالعمل ضد الانتقال إلى تجربة الحكم الرشيد فكشف بعض رموز النظام البائد عن نيتهم العودة للمشهد السياسي بالترشح للرئاسة والبرلمان، وأظهرت- بالفعل لا بالقول-  ما يسمى بأجهزة وأذرع الدولة العميقة تأييدها ودعمها لهذه الرموز، وتحالف الفرقاء في جبهات مناوئة لمسيرة الإصلاح.


ولم ينته الأمر بوصول الرئيس مرسي لكرسي الرئاسة بانتخابات حرة ومنافسة شريفة- على الأقل من جانبه- حامية الوطيس، بل اشتدت ضراوة الحرب وتنوعت أشكالها ولكن توحدت في هدف واحد هو إفشال الرئيس وإلقاء العقبات تلو العقبات في طريقه وإعاقة تقدمه، وكأنهم تعاهدوا ألا يعطوا للرجل فرصة أو طرفة عين لتنفيذ خطة أو إنجاز مشروع أو طرح فكرة بالشائعات والقلاقل وافتعال الأزمات، بل بالتخريب والحرق، والتدمير والقتل والتحريض على ذلك وتمويله، مستخدمين في ذلك أموالاً نهبوها، وإعلامًا صنعوا ثقافته، وفاسدين مردوا على النفاق وتزوير الحقائق، ومجرمين ربوهم على أعينهم واعتادوا استخدامهم  للبطش بمنافسيهم.


يتساءل مؤيدو الرئيس مرسي أسئلة منطقية مشروعة: كيف لرئيس أن يعمل في هذا الجو المحبط والمعادي؟ وكيف له أن يختار الكفاءات وأهل الخبرة في محيطٍ يستخدم خبرته لإفشاله؟ إن كثيرًا من مؤيدي الرئيس يرون أن أخص الدوائر المحيطة به وأقربها إليه والتي من المفترض أن تعينه وتنفذ خططه تتخلى عنه وتتآمر ضده.


لا عيب إذن أن يختار الرئيس من يرى كفاءته من أهل الثقة:


 أولاً: لأن هذا حقه الذي كفله له الدستور والقانون، والذي استقر في ضمير وممارسة العالم المتحضر، وهو أن من اختاره الشعب لا بد أن يمنح فرصته في الحكم، والشعب قد اختار الرئيس وحزبه وأكد ذلك في جميع الاستحقاقات الانتخابية.


 وثانيًا: ليطمئن الرئيس على تبني من يختارهم لمشروعه ودعمهم لتوجهاته، وقد أبدى كثير من أهل الثقة كفاءة أرغمت الجميع على احترامها والاعتراف بها وليست أمثلة وزير التموين أو وزير الشباب وبعض المحافظين ببعيدة، وحتى لو أظهرت الممارسة بعض الأخطاء فلا مانع من التعديل والتصحيح ما دامت نية الإصلاح متوفرة، وهدف الإنجاز واضح.


إن الخبرة والثقة جناحان لا يمكن الاستغناء عن أحدهما فيمن يوكل إليه العمل وقد أثنى الله على من يمتلكهما معًا ليكون أهلاً للتكليف  قال تعالى (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26) وهو الخبير القوي في علمه، والموثوق به الأمين على ما كلف به.


وفي مصر إذ يعز هذا الطلب فيمن حول الرئيس فإلى أن يتوفر هذا الصنف القوي الأمين فأنا مع من يقول يبقى أهل الثقة ذوو الخبرة الكافية لتنفيذ أعمالهم بإخلاص، مقدمين على غير الموثوق بهم وإن امتلكوا الخبرة.


----------                                                                                                           


 مصري مقيم بقطر.