في يوم ما منذ عقدين من الزمان رأى القسم الذي أعمل به أن يعقد مؤتمرًا علميًّا يعالج قضية متخصصة، كانت المشكلة الرئيسية في التمويل والإنفاق على المؤتمر، حاولنا أنا وزملائي أن تكون النفقات أقل حد ممكن.

 

في إحدى الجهات الأساسية التي كانت ستدعم المؤتمر جلست مع المسئول الكبير الذي لا يعرف معنى مؤتمر علمي، ورأيته يفسر الأمر على أنه جلسة افتتاح، وظهور إعلامي للمسئولين (شو)، ثم ينتهي الأمر، وبناءً عليه قرر أن دعمه سيكون في حدود معينة، رأينا أنها غير كافية وتنسف المؤتمر من أساسه، فقد كان المسئول المذكور يمثل الجهة الأساسية التي تقوم على دعم المؤتمر المفترض، كان المنطق الطبيعي أمام هذا العسف الذي يسانده جهل صارخ أن نؤجل انعقاد المؤتمر؛ مما يعني إلغاءه عمليًّا!.

 

في ذات الوقت كانت وزارة الثقافة أو وزارة المهارج (تسميها مهرجانات) تنفق على مؤتمر للرقص مئات الألوف من الجنيهات التي تتضاءل إلى جانبها نفقات مؤتمرنا الملغى التي لا تمثل نسبة 2% من نفقات مهرجان الرقص الحكومي المدعوم رسميًّا وإعلاميًّا على أوسع نطاق.

 

مولانا الذي في الحظيرة تحدث مؤخرًا بوصفه وزير المهارج الفنية والثقافية عن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فقال فيه كلامًا يشبه القصيدة الغزلية عن أهميته وانتمائه التاريخي للوزارة المهارجية، وأنه يمثل ابنًا من أبنائها على مدار ما يقرب من نصف قرن، يقول مولانا لا فض فوه في تصريح لباب "أخبار الناس" بجريدة "الأخبار" المصرية ما نصه:

 

"الوزارة هي المسئولة كليًّا وفعليًّا عن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وإن هذا المهرجان الذي أقيم على مدي ‮٥٣ ‬عامًا سيظل دائمًا الابن الشرعي لوزارة الثقافة، وسوف تحتضنه الوزارة كما احتضنته منذ بدايته، حتى إنه أصبح بمثابة إحدى العلامات البارزة في حياتنا الثقافية".

 

وأضاف الوزير أنه إذا كان هناك مؤسسات خاصة تريد إقامة مهرجانات أخرى فمرحبًا بها،‮ ‬أما مهرجان القاهرة السينمائي فسيظل في أحضاننا بنفس القيم والمبادئ التي أقيم عليها وعبرت عن ثقافتنا وأخلاقنا؛ حتى أصبح صورة معبرة لتاريخ مصر الثقافي العتيق علي مدي العصور.

 

‬وأضاف الوزير أنه يرفض تمامًا فكرة الجوائز المادية؛ لأنها ليست إحدى القواعد الخاصة بالمهرجانات الدولية، مهما كانت قيمة هذه المبالغ‮، ‬مؤكدًا أنه سيقوم بتشكيل لجنة متخصصة على أعلى مستوى من السينمائيين المصريين لوضع اللائحة الخاصة بالمهرجان، والتي تليق باسم وسمعة وتاريخ مصر، على أن يتم إرسالها للاتحاد الدولي للمنتجين المسئول عن المهرجانات الدولية في أسرع وقت، وقد بدأنا بالفعل للإعداد والتجهيز للدورة القادمة حتى نتلافى أي‮ ‬أخطاء حدثت في العام الماضي.
طبعًا سيادة الوزير حر في مشاعره وأفكاره ومعتقداته، ولكنه قبل ذلك وبعده يعيش في مجتمع له خصائص ومميزات واحتياجات قد تتصادم مع ما يذهب إليه السيد الوزير ويؤمن به ويفكر فيه، فالشعب المصري- وأنا بذلك زعيم- يؤمن أن السينما المصرية الراهنة منذ عقود سينما مفلسة لا قيمة لها، وأن معظم العاملين بها تجار يهمهم الربح أو الكسب، ليس مهمًّا أن يكون حلالاً أو حرامًا.. المهم أن تنتفخ جيوبهم وترتفع أرصدتهم في البنوك، ويظهروا على شاشات التليفزيون المصري والتجاري، وتتدلى سلاسلهم الذهبية من أعناقهم وأيديهم، ويتحدثوا كلامًا لا معنى له، ويثرثروا بأفكار تافهة لا قيمة لها.

 

هذه السينما المفلسة التي يسميها العامة (سينما أونطة)، لم تحقق نجاحًا يذكر في أي مهرجان عالمي حقيقي، باستثناء أفلام قليلة تعد على أصابع اليد الواحد منها الفيلم الذي كتب قصته الأديب الإسلامي الراحل نجيب الكيلاني، وهو فيلم "ليل وقضبان" المأخوذ عن روايته "ليل العبيد"؛ حيث فاز بالجائزة الأولى لمهرجان طشقند السينمائي عام 1964.

 

السينما المصرية بعيدة عن حاجات الإنسان المصري وغريبة عنه، عينها دائمًا على الشباك لاجتذاب المراهقين وأشباههم لمشاهدة العري والعنف والابتذال والسوقية.. إنها بعيدة عن القضايا الحقيقية التي تشغل المصريين، ويبحثون عن حلول حقيقية لها.

 

هل يمكن لمنتج سينمائي لا يملك فكرًا ناضجًا ولا موهبة ساطعة، ولا وعيًا إنسانيًّا أو وطنيًّا، وجاء من تجارة الكرشة والكوارع وسقط الذبائح، أو من تجارة الخردة ووكالة البلح، أو من خلايا الأحزاب الإرهابية الشيوعية واليسارية، أن يقدم فنًّا راقيًا أو سينما ذات قيمة؟

 

السيد الوزير يقيم مهرجانًا لسينما متواضعة في أحسن الأحوال، وأفضل الأوصاف، ويروج ضمنًا لتجار سينما لا يستحقون الترويج لهم بأموال الشعب البائس الفقير، والمفارقة أن المحكّمين في هذه المهارج ومعظمهم من الكتاب والنقاد والمخرجين والممثلين المصريين، نادرًا ما يمنحون فيلمًا مصريًّا حق الفوز الكامل في أي من مهارج مهرجان القاهرة السينمائي الدولي !وتذهب الجوائز والفوز لأفلام من دول أقل عراقة من مصر ومن تاريخها الذي يربطه مولانا الوزير بالسينما المصرية الهابطة كما يسميها كثير من النقاد المتخصصين.

 

لو أن تجار السينما الرديئة هم الذين يقيمون هذه المهارج وينفقون عليها من مكاسبهم الحرام، ويتحملون إقامة الضيوف والمشاركين وإعاشتهم وتنقلاتهم وقيمة جوائزهم لقلنا إن حضور الوزير لافتتاح المهارج واختتامها مسألة لا تعنينا ولا تؤثر في ميزانية الدولة، ولكن أن يتم حضور معاليه في ظل تحمل الدولة لنفقات هذه المهارج فهذا هو الهول الأعظم؛ لأن معاليه يعلم أن هناك ملايين من البطالة بين الشباب، ويحتاجون إلى وظائف يمسك راتبها رمقهم، ويمنعهم من التسول والجلوس على الأرصفة.

 

إن صناع الأفلام من مخرجين وممثلين وممثلات وفنيين وإداريين؛ فضلاً عن المنتجين يحصلون على دخول خرافية، ويعيشون حياة فوق حياة الطبقات جميعًا، ويكفي أن كثيرًا منهم لا يعرف غير لغة الملايين، في الوقت الذي يئن فيه  أساتذة الجامعات من ضآلة مرتباتهم الأصلية، وتمن عليهم الحكومة ببعض الفتات الذي تضيفه إلى هذه المرتبات، ومعاليه يعرف ذلك جيدًا لأنه أستاذ جامعي قبل أن يكون وزيرًا!

 

والسؤال الآن: متى ينتهي عصر المهارج؟ ومتى تختفي وزارة المهارج من واقعنا السياسي والثقافي؟