اشتهرت ثورة الخامس والعشرين من يناير المصرية بأنها الثورة الأكثر سلمية والأقل دموية مقارنة بثورات الربيع العربي الأخرى، ومقارنة بحجم مصر، من حيث عدد السكان والمكانة الدولية وتجذر النظام الفاسد فيها، فطبيعة الشعب المصري عاطفية طيبة مسالمة وليست دموية أو انتقامية، فقد خرج الشعب خلال الثورة بالملايين وملأ الميادين، وخاصة ميدان التحرير الذي صار حديث العالم وأعجوبة الدنيا طوفان من البشر كالبحر المائج، بل كالمحيط الهائل ثمانية عشر يومًا تلاحم فيها المصريون من كل الطبقات وجميع الفئات في نسيج واحد لا تباغض ولا تشاحن، بل تكافل وتراحم لم يشهد العالم الحديث له مثيلاً خرجوا بصدور عارية لا عدة ولا عتاد إلا الإيمان بقضيتهم ولا سلاح إلا الإصرار على تحقيق حريتهم ولولا قسوة وظلم القائمين على النظام البائد ومقابلة هذه الجموع السلمية بالعنف والقهر ليسقط الجرحى والشهداء وتتخضب بعض صفحات هذه الثورة بالدماء، لولا هذا البطش لاكتمل هذا العرس كأجمل ثورة تقضي على الظلم بالحب وعلى الطغيان بالتآخى والصفح الجميل ثم ينال كل ذي حق حقه تحت مظلة العدل في دولة القانون.

 

هكذا كان مشهد المصريين طوال أيام الثورة يؤثر الواحد منهم أخاه على نفسه باللقمة في يده ويتقاسم معه شربة الماء أو افتراش الأرض والتحاف السماء ويلقى بنفسه أمامه ليتلقى عنه ضربة أو طعنة أو حتى طلقة ويحمل حيهم شهيدهم ويداوي جريحهم، إنها روح علوية سرت بين أبناء هذا الوطن ورحمة إلهية غشيتهم ليرسموا هذا المشهد الذي أذهل العالم.

 

وما إن تمخضت الثورة عن النصر والقضاء على عرش الظلم وبدء طريق الحرية والاستقرار حتى ظهرت الفتن وبدأت القلاقل وتعددت الفرق وتناحر الأخلاء في مشهد لم يعهده المصريون ولم يأملوه وسالت الدماء على يد الفرقاء كما لم تسل على يد الظالمين، فمن يا ترى وراء هذا السفك المستباح لدماء المصريين؟ الدم الذي حرمه الله وجعل سفكه ولو خطأً جريمة تستوجب الكفارة والعمد فيه كبيرة تستوجب الخلود في النار كما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا 92 وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ) النساء: 92-93).

 

وكما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم (من أعانَ على قتلِ مؤمِنٍ ولو بشطرِ كلِمَةٍ جاءَ يومَ القيامةِ مَكتوبٌ بينَ عينيهِ : آيِسٌ مِن رحمةِ اللَّهِ)  المصدر: حلية الأولياء.

 

إن المتأمل للأمر بنظرة فاحصة وبجهد يسير يجد أن الوصول إلى الإجابة ليس بعسير، فلقد فاجأ انتصار الثورة المصرية السريع جميع الأطراف، فاجأ أتباع النظام الهالك والمستفيدين من بقائه الذين ضاع ملكهم وسلطانهم ومصالحهم فنهضوا يصرفون الأموال التي نهبوها في إحداث الاضطراب والفتن وفاجأ بعض مدعي الثورية الذين طمعوا في إرث– ظنوه مغنمًا - فلم يجدوا لهم نصيبًا فيه حيث لم يعملوا لذلك من قبل فنقموا على من آلت لهم هذه التركة مع ثقل عبئها وفاجأت أعداءً بالخارج لا تريحهم، بل قد تقضي عليهم نهضة مصر والتقت مصالح هؤلاء وهؤلاء مع بعض الفئات التي همشت طويلاً، ولم تدرك أهمية الصبر في مرحلة البناء، وكذلك مع فئات اعتادت الإجرام والتربح من الفوضى وتبور تجارتهم في جو الاستقرار وربوع الأمان، فوجدوا في هذا الجو من الشحناء والبغضاء والتآمر غطاءً لجرائمهم وتمويلاً سخيًّا لاعتداءاتهم فعاثوا في مصر فسادًا قتلاً وحرقًا وتخريبًا ونشرًا للفوضى والخوف وعدم الأمان.

 

إن كل هؤلاء مشتركون في سفك دماء المصريين وتخويفهم وتجويعهم أملاً في عودة عهد الظلم والاستبداد الذي فيه ينهبون وهم آمنون ولكن هيهات فمصر قد بدأت طريق الحرية والعدل والبناء، هدفها واضح مهما حاول البعض تغبيشه، وهي واصلة لمنتهاه إن شاء الله مهما كانت العقبات بجهد وثبات رجال مخلصين لا تهزهم العواصف ولا تنال منهم المصاعب حتى يعبروا بمصر إلى بر الأمان والرخاء، راجين الأجر من الله، متمثلين قول القائل:

 

تنكر لي دهري ولـــم يدر أننــي *** أعز وأحداث الزمان تهون فبات يريني الدهر كيف اعتداؤه *** وبت أريه الصبر كيف يكو

------------------
• مصري مقيم بقطر.