المال عماد الاقتصاد، وعصب الحياة، وسياج المروءة، ومعشوق النفوس: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) (آل عمران).

 

ومن المسلمات المعلومة بالضرورة أن المال سلاح ذو حدين، يمكن استخدامه في فعل الخير أو الشر، وفي تحقيق العدل أو في تكريس الظلم الاجتماعي، ويمكن أن يستعمله الإنسان لينال به رضى الله وجنته: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) (التوبة)، كما يمكن أن يستحق بسببه سخط الله وناره.. (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)) (التوبة).

 

ولأن الشريعة الإسلامية منهج حياة، تهتم ببناء الإنسان روحيًّا وجسديًّا؛ فلقد أحاطت المال بجملةٍ من السياسات التي تحقق الضمان الاجتماعي، والتوازن الاقتصادي بين الناس؛ حتى لا يكون المال دُولة بين فئة دون فئة، (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)) (الحشر)، ومن أجل ذلك جاءت أحكام المواريث لكي تُفتت الثروة تلقائيًا إلى من لهم حق الميراث، وتقرير حق معلوم في المال مثل الزكاة والصدقة والوصية: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذَاريات: 19).

 

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا: "إن الإسلام لم يجئ خلوًا من القوانين، بل هو قد أوضح كثيرًا من أصول التحكيم وجزيئات التحكم، سواء أكانت مدنية أو جنائية، تجارية أو دولية.

والقرآن والأحاديث فياضة بهذا المعنى، وكتب الفقهاء غنية كل الغني بكل هذه النواحي، وقد اعترف الأجانب أنفسهم بهذه الحقيقة وأقرها مؤتمر لاهاي الدولي أمام ممثلي الأمم من رجال القانون في العالم كله" (رسالة المؤتمر الخامس).

 

ومن المعلوم من الدين بالضرورة، أن المال هو مال الله، وأن الإنسان مستخلف فيه لإنفاقه في سُبل الخير، وعلى الزوجة والأولاد والأبوين الفقيرين، وفي سبيل الله: (آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) الحديد)، وأن الإنسان مأمور بعدم الإسراف فيه: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)) (الأعراف)، ومن أهم أهداف السياسة الاقتصادية في الإسلام تحقيق التزاوج بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، يتجلى ذلك في تحريم الربا وإباحة البيع: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: 275)، وحماية الملكية الفردية وتحريم الاعتداء عليها: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)) (المائدة).

 

ويُجمل الدكتور توفيق الواعي في كتابه القيم "الرؤية الشاملة لتوجهات الإخوان المسلمين الإصلاحية" مرتكزات سياسة المال في الإسلام في عشرة أصول، نذكر منها :

 

(1) اعتبار المال الصالح قوام الحياة ووجوب الحرص عليه، (وَلا َتُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) (النساء: 5) وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "نعم المال الصالح للرجل الصالح" رواه أحمد من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

 

(2) إيجاب العمل والكسب على كل قادر: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10).

 

(3) تحريم موارد الكسب الخبيث: فقد رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ: عَن عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ، وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيم أنفقَهُ".

 

(4) حرمة المال واحترام الملكيات: فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني ؟ قال: قاتله, قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت شهيد, قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار" (رواه مسلم (.

 

(5) تحقيق التكافل الاجتماعي: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) ( الإنسان :8)، ومما صحّ عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "ليس منا من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم" (رواه الطبراني بإسناد حسن).

 

(6) تحقيق التنمية الاقتصادية، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها، فله بذلك أجر" (رواه البخاري).

 

(7) حظر استغلال النفوذ وتفعيل مبدأ من أين لك هذا، وشواهد هذا المبدأ في التاريخ الإسلامي لا حصر لها.

 

إن نظرة الإسلام إلى المال نظرة فريدة ويسيرة في الوقت ذاته، إنها ترد ملك كل ما في السماوات والأرض إلى الله تعالى وحده، وتجعل الغنى والفقر حالتان من تقدير الله وحده، يُختبر الغني بغناه، ويُختبر الفقير بفقره، فلا الغنى علامة إكرام، ولا الفقر علامة إهانة، وبهذه النظرة الصافية التي لا تستعصي على الفهم، يقضي الإسلام على كل ما يقال عن الصراع بين الطبقات، تلك المشكلة التي تؤرق المجتمعات والدول، وتحفظ للإنسان كرامته، سواء كان غنيا أو فقيرا، وتفتح الطريق أمام أصحاب القدرات ليسهموا في بناء مجتمعاتهم، دون نظر إلى مستواهم المادي . المهم أن هذه النظرة إلى المال ليست نظرية فلسفية، بل أسلوب حياة تم تجريبه والعيش في ظلاله، فأنتج مجتمعا راقيا ونموذجا إنسانيا يقترب من المثالية .

 

وعندما كان القرآن هو المحرك الأول لحياة المسلمين، والشريعة الإسلامية هي الحاكمة بينهم، وجدنا مجتمعا متلاحما ومتماسكا ومتحابا، ضرب أفراده أروع الأمثال في الإيثار والتضحية بالمال، فهذا سعد بن الربيع يعرض نصف ماله ونصف بيته على عبد الرحمن بن عوف، ويتصدق أبو بكر الصديق بكل ماله، وعمر بنصف ماله، وعثمان بثلث ماله علاوة علي تجهيز جيش بأكمله هو جيش العسرة، وصهيب الرومي يقايض بكل ماله مقابل أن يلحق بالمجتمع المسلم في المدينة ويلقاه الرسول بقوله: "ربح البيع يا صهيب".

 

وهذا أبو الدحداح يقرض الله حديقته راغبا في ثواب الله، وتسعد زوجته بذلك وتقول له: "ربح البيع يا أبا الدحداح"، وأم المؤمنين عائشة يأتيها أربعون ألف درهم تتصدق بهم جميعًا على فقراء المسلمين، وتقول لها خادمتها : لو كنتِ أبقيت على دينارين لتفطري بهما؟ فتقول لها: "لو ذكرتني لفعلت"!،وتُعطِّر رضي الله عنها الدينار قبل أن تتصدق به، وعندما تُسأل عن ذلك تقول: إن الدينار يقع في يد الله قبل أن يقع في يد السائل. هكذا كان المال بين الناس يُقوي الأواصر ويُؤلِّف القلوب ويَسُدُ حاجة المحتاجين.

 

وعندما غُيبت الشريعة وبُدلت بقوانين وضعية، وتكونت نخبة تحفظ كلام الفلاسفة مثل سقراط وأرسطو أكثر مما تحفظ من كلام الله، تقرأ عن جان جاك روسو وفولتير أكثر مما تقرأ عن رسول الله (ص)؛ عندها غاب الحاكم العادل، وظهر الحاكم المستبد، وعُطل مبدأ من أين لك هذا، فعم الفساد ووُظف المال في السياسة (المال السياسي). ولعبد الرحمن الكوكبي في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) كلام يُكتب بماء الذهب: "الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضُر، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال"! والحاكم المستبد يود أن تكون الرعية كالغنم درًا ونفعًا، وكالكلاب تذللًا وتملقًا، ولقد رأينا في عهود الاستبداد عبَدَة الدينار والدرهم، وانتشار سياسة التجويع عمدًا، هذه السياسة التي جعلت الأسد يرقص كالقرد أمام امرأة في سيرك، وأصبح الكريم في القوم ليس أتقاهم بل أغناهم، كما يقول الشاعر :

إن الغني إذا تحدث بالخطـــأ             قالوا صدقت وما نطقت محالا

أما الفقير إذا تحدث بالصحيح                    قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا

إن الدراهم في المواطن كلها                        تكسوا الرجال مهابة وجلالا

فهي اللسان لمن أراد فصاحة                       وهي السلاح لمن أراد قتالا

 

المال السياسي قسم المجتمع إلى قسمين : فقراء وأغنياء، وتآكلت الطبقة الوسطي، هذه الطبقة التي يسميها رجال الاقتصاد رمانة الميزان، لأنها تمنع الاحتكاك بين الأغنياء والفقراء، وقدم المجتمع نماذج سيئة على عكس النماذج التي قدّمها في ظل التمسك بالإسلام من قبل : غاب خلق الإيثار، وتآكلت القيم الإنسانية التي جاء الإسلام لإتمامها،وظهرت أمثال تتنافى مع صحيح الدين وقيمه، مثل : إذا جاءك الطوفان فضع ابنك تحت قدميك، وأنا عبد المأمور .ولم تعد الرشوة قاصرة على صغار الموظفين، بل أصبحنا نسمع عن مدير الإدارة المرتشي، والوزير المرتشي، بل رأينا رئيس الدولة المرتشي، وغُلبت مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع، فتلاشي دور رجال الأعمال في خدمة المجتمع، ورأيناهم ينجرون وراء نزواتهم الجنسية مع الممثلات وينفقون في ذلك الملايين.

 

في ظل المال السياسي غابت قيم الرجولة وظهر أشباه الرجال الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فرأينا حافظا للقرآن يتردد على الكنيسة نهارًا جهارا، في حين لم نره ذات يوم في المسجد، يقول إن الأهرامات عنده مقدسة عن القدس، ورأينا إعلاميا يقول على الهواء إنه كلب لعائلة تهربت من دفع 14 مليار جنيه ضريبة للدولة، في وقت تحتاج الدولة فيه لمثل هذا المال لسد حاجة الفقراء وتحقيق حد الكفاية لشعبها، وعضوا بمجلس شعب يعمل من أجل مصالحه الخاصة ويغض الطرف عن الفساد، عضو مجلس شعب قَبِل بحل أول مجلس الشعب يتكون بإرادة حرة بعد الثورة دون أن يهتز ضميره، هذا إن كان له ضمير ؛ لأنه ببساطة قد تقاضى مبلغا يساوي راتبه في المجلس طوال خمس سنوات، وهو عُمر المجلس الافتراضي!

 

قدم لنا المال السياسي لصوصًا لم يسرقوا من فيوضات أموال الدولة لسد ضروراتهم، فهذا رئيس تخرج من الحربية 1947 ومن الجوية 1949 وكان أبوه موظفًا بسيطًا جدًّا في الدولة، وفي عام 2011 أي بعد حوالي 700 شهر من عمله في الدولة يتحدث الناس عن أمواله التي تقدر بحوالي 420 مليار جنيه (70 مليار دولار). وهذا وزير يعمل من أول يوم تخرج فيه إلى آخر يوم خرج من الوزارة ويتحدث الناس عن أنه يمتلك 11 مليار جنيه.

 

وهذا رجل أعمال تمكن في أقل من عشر سنوات عن طريق الغش والاحتيال والاحتكار أن يمتلك 18 مليار جنيه، كل هذه الأرقام وكثير من شباب هذه الدولة لا يستطيع أن يتحصل على وظيفة يتقاضى منها ما يستطيع أن يحقق بها أبسط أماني أي إنسان .وفي هذه الأيام نستطيع بدون كثير عناء أن نرى أثر المال السياسي في تزييف الوعي وحشد البلطجية والأحداث لحرق مؤسسات الدولة، نرى أشباه رجال في الفضائيات يتكلمون بكلام عكس ما يؤمنون به، وبعد البرنامج يعتذر لأصحاب المبادئ ويقول : آسف، كلام لابد أن نقوله من أجل لقمة العيش! وهناك من هذه النماذج الكثير ولا يتسع المقال لحصرها، ولكن أحسب أن القارئ قد وصلته الفكرة التي أريد توضيحها، وإذا كانت بضدها تتضح الأشياء، فهل نمعن في المقارنة بين صهيب الرومي الذي ترك كل ماله من أجل دينه، وغيره من أشباه الرجال الآن الذين يبيعون دينهم ووطنهم بعرض زائل.

 

أذكر مقولة للشيخ كشك كان يرددها كثيرًا: "مشكلة مصر ليست في تحديد النسل ولكن المشكلة الحقيقية هي في تحديد النشل"، وأزيد أننا كنا نتخيل أن مصر تعاني من فساد الإدارة، والحقيقة أنها تعاني من إدارة الفساد. وأعتقد أنه بعد وصول الدكتور مرسي إلى سُدة الحكم، نستطيع معا أن نقضي على الفساد وعلى هيمنة المال السياسي والعودة إلى سياسة المال التي أرادتها الشريعة الإسلامية، نعم نستطيع أن نصنع رموزا كالتي قرأنا عنها في سير السلف الصالح، الذين عاشوا وفق مراد الله وشرعه، إنني أؤمن حقًا وصدقًا بأن الإسلام هو الحل.

 

------------

* أستاذ مساعد- جامعة المنصورة

دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية