شنت جريدة (القاهرة) في عددها الأخير هجومًا سافرًا على التيار الإسلامي وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، ونسبت إليها السبب وراء اختفاء رأس تمثال طه حسين المتواجدة على قاعدة تمثال على كورنيش النيل بمدينة المنيا وجاء بالتزامن مع وضع نقاب على تمثال أم كلثوم بمدينة المنصورة واستفتت الجريدة مجموعة من المثقفين الذين ينتمون إلى حظيرة فاروق حسني التي تغاضت عن جرائمه في وزارة الثقافة وهو الذي دمر البنية التحتية للثقافة المصرية التي تضاءلت في عهده وقنعت بأن تكون في ذيل قائمة الأمم، في نفس التوقيت وضع بعض المغرضين ستارًا على تمثال أبي العلاء المعري في مسقط رأسه، اهتز القوم لهذا الموضوع المختلق الذي لم يحدث في السبعينيات ولا في التسعينيات في وقت كان العنف على أشده بين بعض الفصائل والنظام البائد الذي كان يخدّم عليه جيش من الإعلاميين الذين صنعهم الرائد موافي "صفوت الشريف" على أيديه، وما زالوا يقومون بهذا الدور، محافظين على العهد الذين قطعوه مع هذا القواد الذي أفسد مصر مرتين، الأولى: قبيل هزيمة 1967، والثانية في عهد الرئيس المخلوع الذي اختاره على يديه ليقوم بأي دور يوكل إليه انطلاقًا من ماضيه القذر.
هرع كل المثقفين المنتفعين الذين جندهم فاروق حسني واحتواهم داخل حظيرة وزارة الثقافة وخلطوا بين الأوراق واختلقوا معارك وهمية لإضفاء صفة البطولة وتسليط الضوء عليهم.. فقال الكاتب الروائي بهاء طاهر (العدو اللدود لهذا التيار والخادم الأمين للثقافة الغربية على حساب ثقافة أمته): إن ما حدث من اقتلاع تمثال طه حسين ووضع نقاب على تمثال أم كلثوم أشياء رمزية لما يريد تحقيقه التيار المتطرف من اعتداء فعلي المثقفين والمبدعين.. هم يريدون الاعتداء على جميع المبدعين فعليًّا، وهذه رسالة رمزية بسيطة منهم لما سيحدث للمثقفين والمبدعين، مضيفًا أنه من المتوقع أن تحدث اعتداءات على تماثيل أخرى في الفترة القادمة، خاصة أن التيار المتطرف يدعي أن تلك التماثيل عبارة عن تماثيل يجب تحطيمها".
وانضم إلى هذه المندبة والملطمة الفنان التشكيلي محمد عبلة الذي أبدى استياءه مما حدث من اختفاء تمثال طه حسين قائلاً: "إن هناك صراعًا قويًّا وواضح بين الثقافة والجهل سيحدث في الفترة القادمة والمعركة ستكون قادمة وأن الثقافة المصرية ستكون الحائط المائل الذي سيعلق عليه الجماعات شماعتها بحجة أنها أصنام ويجب تحطيمها"، وأضاف عبلة: "يجب أن يكون هناك رد فعل قوي من قبل الفنانين والمبدعين في تلك الإهانة التي تعرضت لها الثقافة والإبداع ولن نسكت على ذلك، مضيفًا أن ما يحدث هو قمة التخلف والجهل، متسائلاً: جماعة (يقصد جماعة الإخوان المسلمين) تتعامل مع الفن والإبداع بذلك الجهل كيف تدير بلد بأكمله؟"، وأشار عبلة أن طه حسين تعتبر رمزًا من رموز الثقافة الإسلامية وله أفضال كثيرة على الثقافة الإسلامية والعربية متهمًا جماعة الإخوان المسلمين بالتحريض على تحطيم تماثيل الفنانين والمبدعين واعتبارها مجموعة من الأصنام ويجب تحطيمها".
هذه بعض من التصريحات المغرضة التي لم تقم على دليل يدين الإسلاميين سوى في عقلهم المريض المصاب بفوبيا الإخوان المسلمين، وهو عفريت يهاجمهم في صحوهم ومنامهم، فمن أين جاء للفنان عبلة أن الإخوان أو أي فصيل إسلامي هم الذين سرقوا التمثال؟ وكان الأولى بهؤلاء الرويبضة من العلمانيين والليبراليين والشيوعيين أن يؤصلوا لتلك السرقات وهي أن أسيادهم والذين هم تربوا على فكرهم هم الذين هدموا ونهبوا الآثار والكتب ونفائس المخطوطات. ألم يعلموا أن نابليون قدوتهم ومنشئ جماعتهم على أرض مصر، هو الذي حاول هدم تمثال أبي الهول وهدم معظم البنايات الإسلامية العريقة التي عمرت مئات السنين وقتل عشر سكان المصريين؟ لقد هللتم لصنيعه وخلعتم عليه ألقاب التنوير والحداثة، وأنه ما جاء إلا لينيرها ويقتلع منها الإظلام (أي الإسلام).. يا سيد عبلة: من الذي هرب الآثار المصرية الموجودة في متاحف أوربا وأظنك قد رأيتها عن قرب سوى أسيادكم المستعمرين وأذنابهم من بني جلدتنا؟ من الذي هرب المسلة الموجودة في ميدان "الكونكورد" في باريس؟ هل هم الإخوان والتيارات الإسلامية؟!!! من الذي هرب تمثال نفرتيتي المنياوية أيضًا؟ هل هم الإخوان؟!! هل.. هل؟؟.. الأسئلة كثيرة!!! من الذي جرد القصور الملكية من اللوحات الأصلية ووضع مكانها اللوحات المقلدة؟ من الذي هرب مجوهرات أسرة محمد علي؟ سوى العسكر الذين تتمنون رجوع حكمهم مرة أخرى؟ ولك يا سيدي أن ترجع إلى كتاب المفكرة المنياوية الأخرى الدكتورة نعمات أحمد فؤاد "صناعة الجهل" ففيه الخبر اليقين الذي لا يعتمد على الافتراءات ومنهج (كيد النساء) الذي تتبعونه نكاية في الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية التي تحظى باختيار الشعب في كل عملية ديمقراطية تجرى.
أسألوا جمال الغيطاني.. من الذي حافظ على الآثار الإسلامية، وتحدث عنها باحترام سوى المؤرخين المسلمين الذين كانوا يعملون فقهاء بالأساس؟
تحدث مؤرخو مصر الإسلامية، منهم: ابن عبد الحكم بمنهج رائع عن الآثار الفرعونية في كتابه "فتوح مصر وأخبارها"، وكذلك ابن زولاق، والمسبحي، والقضاعي، وابن الكندي، والمقريزي، وابن فضل الله العمري، والنويري، وابن تغري بردي، والسيوطي، وابن إياس الحنفي، والبكري، والجبرتي وصولاً إلى العصر الحديث، وقد كان أحمد كمال باشا الأثري يعتز بحضارة الإسلام قدر اعتزازه بالحضارة الفرعونية، وهو تخصصه الرفيع، وكذلك أحمد تيمور باشا، وسليم حسن الذي ألف في تاريخ مصر الإسلامية إضافة إلى تخصصه في التاريخ الفرعونية، والدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه "الآثار الفرعونية في الشعر العربي"، والأمثلة كثيرة يضيق المقال عن استيعابها...
كان الأولى بالمثقفين أن يدينوا أحداث العنف التي ترتكبها فصائل اليسار الذين يريدون إسقاط الرئيس المدني المنتخب، ويؤيدون عودة الحكم البوليسي الفاشي، دمروا المباني الرائعة التي بناها المصريون بدمائهم وأموالهم بدءًا من المجمع العلمي وضياع آلاف المخطوطات والكتب العلمية النادرة وما زال الشخص الذي قام بهذه العلمية واعترف بها، حرًّا طليقًا يحظى بدعمكم الإعلامي وغطاءكم السياسي، ومن الذي يدمر القصور الرئاسية الرائعة ويدمر محتوياتها بالمولوتوف سواكم؟ ومن الذي يدمر الفنادق ويرشقها بالمولوتوف لتطفيش السائحين وتركيع مصر سواكم؟ أنت تؤمنون بالدم وبالتغيير المسلح عبر تاريخكم، ونحن دعينا إلى نبذ العنف عبر تظاهرات حضارية شهد بها القاصي والداني، وسكتم على الانتهاكات واغتصاب النساء في ميدان التحرير ولما ضغطنا عليكم خرجتم تكذبون كعادتكم تحاولون نسب هذا الإجرام إلى التيار الإسلامي التي يحرم مجرد النظر إلى المرأة الغريبة عليه، أما أنتم فستغرقون في الحفلات الماجنة والقبلات والأحضان..
كان الأولى بالمثقفين أن يدينوا أحد رجال النظام السابق، وهو وزير الثقافة الحالي الذي تولى دار الكتب ودمرها وشتت أمرها، بحسب اعترافات موظفي الدار، واستقال مرتين الأولى عندما أراد رشح نفسه لجائزة الدولة التقديرية وقدم استقالته من حكومة الجنزوري ليفوز بها، والثانية احتجاجًا على سحل البلطجي حمادة من (جماعة إحنا آسفين يا ريس)، وكان يدرك أن النظام سيرحل جريًا على مبدأ سيده عصفور، ولكن الله خيب ظنه، ورجع على استحياء بعدما اتصل برجاله للتمثيل علينا والمطالبة بعودته.. تمثيل ودجل وشعوذة سياسية لا تنطلي على هذا الشعب الفاهم.
إن سرقة التمثال وغيره من الأعمال الموجودة والتي تتم على الساحة الآن من سرقة وقتل وقطع طرق، لهو من الكيد السياسي للنظام الحاكم، حتى يكفر الناس به ويقومون عليه، وإن تواجد هذه الأحداث وتكرارها في مصر وغيرها من الدول يذكرني بسؤال وجه للشيخ محمد الغزالي في مصر والإمارات وعدد من الدول التي زارها الشيخ عن حكم الإسلام في الخليج، فاستغرب الشيخ لتكرار هذا السؤال في زمن واحد وأماكن عدة، وهو ما عزاه إلى وجود أيادٍ خفية تعبث في عقول الناس ومصائرهم لا تريد لهم النجاح وتخطى العقبات..
اللهم احمي مصر من كل كيد ومن كل غرض ومن كل خائن يريد السطو على الحكم بخسة ودناءة، واختم مما قاله كعب الأحبار: "مصر آمنة، من أرادها بسوء قصم الله ظهره"..
---------------------