لماذا ينكر الكثير من العلمانيين والليبراليين واليساريين على الإخوان وصولهم للحكم وقيادتهم لهذه المرحلة الحرجة التي رآهم الشعب أجدر من يقوم بها وأكد اختياره لهم أكثر من مرة في الاستفتاءات والانتخابات، بل يجحدون مشاركتهم في صنع وإدارة الثورة وحمايتها، فهل فعلاً وصل الإخوان للحكم عنوة؟ وهل اغتصبوا حق أحد كان أولى بذلك منهم؟ هل صنعوا ما استحقوا به ثقة الشعب حتى يمنحهم إياها عن رضى؟

 

تحاول هذه القوى والتيارات أن تمحوا من ذاكرة الناس عقودًا من العمل والجهاد المتواصل للإخوان في سبيل إقامة دولة العدل والحرية، التي هي شعيرة من شعائر الإسلام الذي يؤمنون به ويحيون في رحابه ويجاهدون من أجله وتسعى أن تحصر الأمر في ثمانية عشر يومًا، هي عمر ثورة يناير المباركة، فإن كان دور الإخوان في الثورة لاينكر من بدئها لنهايتها بدليل وجود رموزهم في التظاهرات التي سبقت المسير إلى ميدان التحرير واعتقال قياداتهم عشية ثورة الغضب وتحملهم العبء الأكبر في حماية الميدان يوم موقعة الجمل، ثم قيامهم على تنظيمه وتفعيله إلى يوم التنحي، إن كان هذا الدور لا ينكره إلا جاحد، فإن الدور الأكبر كان تاريخهم الطويل في مقارعة الظلم والاستبداد وتضحياتهم الضخمة بسبب الصدوح بكلمة الحق في وجه الحكام الظلمة.

 

إن الثورات لا تحدث فجأة ولكنها جذوة يشعلها لهيب الظلم حتى تستعر وغرس يروى بدماء الشهداء وجروح المضطهدين والمعذبين، حتى يثمر وهذا ما فعله الإخوان على مدى عقود فقدموا عشرات الشهداء سواء في الحروب أو على أعواد المشانق ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين الذين ذاقوا ويلات التعذيب وكم صودرت أموالهم وخربت شركاتهم واقتحمت بيوتهم وانتهكت حرماتهم ولم يستثن من ذلك قادتهم أو شبابهم أو حتى نساؤهم، بل ومؤسس جماعتهم.

هل حلم الإخوان بالوصول إلى الحكم؟ نعم ولا عيب في ذلك، لأنه لغاية سامية ولكن لم يحددوا لذلك وقتًا فمنهجهم على المرأ أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح، فمنذ نشأة جماعتهم بذلوا دون تعجل للنتائج سواء تحقق هذا الحلم على أيديهم أم أيدي الأجيال التي تليهم، وإلا فهل كان جهادهم في فلسطين أو جهادهم للإنجليز في القناة أو حتى في عهد عبد الناصر ثم السادات ومبارك يفضي في نظرهم إلى الوصول للحكم قريبًا؟ لا يظن عاقل أنهم اعتقدوا ذلك، ولكنه بذل الجهد والوسع في مدافعة البغي حتى يأذن الله بالتغيير.

وقد كانوا في أغلب الأحيان وحدهم في الميدان يتصدون للتزوير ويفضحون الفساد ويزاحمون في البرلمانات في حين كان غيرهم يجمل وجه النظام بمشاركة هزيلة ومبارزة مفتعلة لا تسعد الحبيب أو تكيد العدا.

ومع ذلك كله لم يترك الإخوان ميدانًا آخر لا يقل أهمية عن ذلك، وهو ميدان المجتمع الذي يعيشون فيه فإصلاحه ونشر الخير فيه أيضًا من أهم أهدافهم والسعي في قضاء حوائجه من خصائص عقيدتهم فالتحموا بالناس وتراحموا معهم في أفراحهم وأتراحهم إرضاءً لربهم وإنفاذًا لسنة نبيهم. فكان طبيعيًّا أن يضع الناس ثقتهم، بل أملهم في الخلاص من كدر عيشهم– بعد مشيئة الله– في هذه الزمرة من أبنائهم وإخوانهم الذين يعرفونهم ويخالطونهم ويرون تضحياتهم.

إذن فلماذا ينكر هؤلاء على الإخوان أن يؤتيهم الله ثمرة هذا الجهاد في وقت شاءه وتقدير قدره إنها سنن الله أن يتحمل كل عامل نتيجة عمله قال تعالى (كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ) (المدثر: 38) فجزاء المؤمنين في الجنة بما قدموا سلفًا (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) (الحاقة: 24) وعقاب الظالمين بما كسبت أيديهم (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) (يونس: 52).

ومن أول ما تعلمنا جميعا أن من جد وجد ومن زرع حصد، والذي لم يبذر الحب ليس له الحق في النزاع على الحصاد، بل عليه أن يندم على تفريطه ويعمل لإصلاح شأنه كما َقَالَ بَعْضُهُمْ:

إِذَا أَنْتَ لَمْ تَزْرَعْ وَأَبْصَرْتَ حَاصِدًا     نَدِمْتَ عَلَى التَّفْرِيطِ فِي زَمَنِ الْبَذْرِ

إننا ندعو الجميع دعوة حب لهذا الوطن أن يصطفوا للبناء خلف القيادة التي اختارها الشعب والترفع عن افتعال خصومات لن تؤدي إلا إلى استنزاف القوى والثروات وتؤخر نهضة نتمناها جميعًا لبلدنا.

--------- 

مصري مقيم بقطر