النزاهة والإنصاف والموضوعية سمة أساسية من سمات من يتصدى للعمل العام، والشعب المصري لديه حساسية شديدة تمكنه من تمييز من يتحلى بهذه السمة حقًّا ممن يدعيها بهتانًا وزورًا.
كما أن صدق المثقف أو السياسي في كلامه ومواقفه ينبني إما على النقل المصدق، أو على البرهان المحقق، أو عليهما معًا .
والدعاوى إذا لم يقيموا عليها بينــاتٍ أصحــابهـــا أدعيــاء
وكم تمنيت أن أصدق كثيرًا من السياسيين والإعلاميين وأعضاء الجبهات والائتلافات المناهضة لحكم الرئيس المنتخب حين يدّعون حرصهم على المصالح العليا للشعب المصري، وحين يرفعون راية النضال من أجل أن تتحقق له الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ولكن أمنيتي تذهب أدراج الرياح بفعل النقل المصدق أو البرهان المحقق على كذب هؤلاء، وعلى عدم التزامهم بالنزاهة والإنصاف والموضوعية في مقولاتهم ومواقفهم.
فهم يخونون الشعب عندما يُسَفِّهُون تصويته، وعندما يتآمرون على كل مؤسسة جاءت باختياره، إما بحلها كما حدث مع مجلس الشعب، أو بالعمل على تعطيلها أو إفشالها وإسقاطها كما يحدث مع مؤسسة الرئاسة.
وهم يخونون الشعب عندما يستدعون صراحةً أو ضمنًا ذلك الحكم العسكري الذي جثم على أنفاسه طيلة العقود الماضية، والذي كانت نهايته ثمرة من ثمرات ثورته التي ظلت هتافات أبنائها في كل الميادين تنادي بسقوط حكم العسكر، أملاً في أن يتولى الشعب إدارة شؤونه عبر المؤسسات الديمقراطية والدستورية.
وهم يخونون الشعب بالعمل على جرّ جيشه الباسل إلى حلبة الصراع السياسي الذي ظل حريصًا على البعد عنها ؛ بحيث تتبدل عقيدته العسكرية وينشغل عن دوره الأساسي المتمثل في الدفاع عن أمن الوطن وسلامة أراضيه.. لكن الجيش أثبت أنه يدرك ألاعيبهم، ويثق في أنهم لا يدعمونه، وإنما يدعمون أطماعهم الشخصية أو الحزبية، وأنهم لا يريدون منه إلا أن يتولى التنفيس عن حقدهم على الرئيس وكراهيتهم لمشروعه.
وهم يخونون الشعب حينما يلبسون له مسوح المدنية والديمقراطية، ومواقفهم تؤكد كذبهم ؛ لأنهم يتوهمون أن مصالحهم وأطماعهم يمكن تحقيقها في ظل الحكم العسكري، بعد أن أيقنوا أن فرصهم ضعيفة أو منعدمة في نيل القبول الشعبي عبر آليات الديمقراطية، ولهذا يهربون من التحاكم إلى هذه الآليات بإعلان مقاطعتها.
وهم يخونون الشعب حينما يوفرون الغطاء لمجموعات من المرتزقة، فيمنحونهم لقب الثوار، أو وصف المتظاهرين، ويسمون إرهابهم للناس عصيانًا مدنيًّا، وهم في الحقيقة يعيثون في الأرض الفساد، ويعطلون مصالح العباد، وينتهكون الممتلكات والمنشآت العامة، ويستهدفون النيل من استقرار الوطن، ولا يبالون بالإساءة إلى سمعته.
إنهم يخونون الشعب باسم الشعب، ويدوسون الدولة المدنية باستدعاء السلطة العسكرية، ويرفضون نتائج الديمقراطية بفرض الأطماع الشخصية أو الحزبية، ويتهربون من الحوار بإعلان الشروط المسبقة، ويحرقون الثورة المصرية البيضاء بقنابل المولوتوف.. والشعب المصري يعرفهم في لحن أقوالهم، ويقرأ أساريرهم على صفحات وجوههم.. وحسابهم عند هذا الشعب عسير، وعند الله تعالى أعسر.
-------------
* وكيل كلية القرآن الكريم، جامعة الأزهر