هل أصبحت حياتنا وأفكارنا حقًا أسيرة كذب وخداع تصنعه وتروج له فضائيات الإفلاس الإعلامي؟!

 

لقد أصابت سهام الخداع والتضليل كثيرًا من الناس؛ حتى من كنا نظن فيهم رجاحة العقل وسلامة المنطق والقدرة على القراءة والتحليل!، فأخذوا بها وانساقوا خلفها وروجوا لأضاليلها دون إعمال للعقل وبلا تحقيق أو تمحيص..

 

وهو الأمر الذي يؤشر لخطورة ما يجري نشره من زيف وكذب على حياة الناس ووعيهم.. ويستدعي إصدار تشريعات عاجلة واضحة ورادعة لتنظيم الإعلام بأنواعه الورقي والفضائي، وتحقيق المراقبة والمحاسبة القانونية الناجزة لجميع الجرائم التي يرتكبها الإعلام، متجاوزًا قيم ومواثيق الشرف الصحفي والإعلامي، ومعتديًا على الصالح العام للمجتمع.

 

يكفي أن ندلل على أهمية ما ذهبنا إليه، أن نذكر هنا ثلاث حوادث كانت وما زالت تستغل في إثارة الفتن، وتبرير ما ينتج عنها من عدوان وتخريب وتعطيل لمصالح الناس، والسبب في ذلك هو إشاعة الأخبار الكاذبة حول تلك الحوادث، وظروف حدوثها، والترويج لها عبر الإعلام المضلل.

 

** الحادثة الأولى حادثة الشاب القتيل محمد الجندي.. قال تقرير الطب الشرعي ورجال الإسعاف الذين نقلوه إلى المستشفى إنه توفي في حادث سيارة.. لكن الإعلام المضلل أخذ من خلال "شاهد ما شافش حاجة" يدعى "شريف البحيري" يروج لأكذوبة أن القتيل تم خطفه وتعذيبه في معسكر الأمن المركزي بالجبل الأحمر..

 

وبعد أن استمعت النيابة لأقوال ذلك الشاهد المزيف حملته إلى المعسكر الذي ذكره في شهادته، وكانت المفاجأة (حسب وصف جريدة الأهرام) أنه تنكر لما سبق وقاله، وأعلن أنه لم ير هذا المعسكر من قبل؟!..

 

هكذا وبساطه، بعد أن ملأ فضائيات المال الحرام بأحاديث لا أصل لها عن الخطف والتعذيب للشاب القتيل.. وما يعنيه ذلك من إثارة غير مبررة للرأي العام وتحفيزه للعدوان على رجال الشرطة.

 

** الحادثة الثانية هي مقتل الطفل عمر بائع البطاطا بميدان التحرير؛ الذي أصيب برصاصة خرجت بطريق الخطأ من بندقية جندي الحراسة على الجامعة الأمريكية التابع للقوات المسلحة، أثناء اطمئنانه على جاهزية سلاحه لدى تبديل الخدمة..

 

وقد بادرت القوات المسلحة إلى إصدار بيان تعترف فيه بالحادث، وتعلن تحمل المسئولية، والاعتذار لأسرة الطفل القتيل، وبدء إجراءات النيابة العسكرية للتحقيق مع الجندي الذي ارتكب الواقعة..

 

ومع ذلك وجدنا البعض يحولها إلى مندبة، ويستغل الحادث للمتاجرة بدم الطفل المسكين، بالتلفيق والتزييف ونشر معلومات مغلوطة فقط لإرواء رغبته في وصم السلطات بكل نقيصة..

 

وممارسة الشحن غير المبرر باعتبار أن الطفل قتل في أحداث الشغب الحاصلة من قبل بعض الشباب المعارضين ضد رجال الشرطة، بل وصل الأمر بإحدى صحفيات جريدة الأهرام لأن تضع صورة الطفل على صفحتها، وتكتب تحتها: "طفل مصري قتل بالرصاص عند الاتحادية".. بينما قتل الطفل وهو يبيع البطاطا بميدان التحرير؟!.

 

وإن كانت أحداث القتل أمر مؤلم لكل إنسان شريف، لا يرجوه ولا يتمناه لأي أحد مهما كان اختلافه معه، فهي مرفوضة على كل حال..

 

وكذلك أيضًا؛ فإن استغلالها والمتاجرة بها وإعادة إنتاجها بشكل يخالف الحقيقة، وتوظيفها لخدمة مآرب أخرى لا يعلمها إلا من يروجون الأكاذيب والمعلومات المغلوطة حولها، هي جريمة أكبر وأكثر رفضًا، لأنها تقود إلى إثارة أعمال الشغب والتخريب وسفك الدماء البريئة، نتيجة لجريمة الكذب والتضليل التي يمارسها البعض وهو جالس مستريح خلف الكيبورد أو الميكروفون.

 

** لن نتحدث عن البلطجي حمادة الثوري النوري الأكلنجي.. الذي تحول بقدرة قادر إلى بطل من أبطال الثورة على فضائيات الإفلاس الإعلامي.

 

إن القتل جريمة من أعظم الكبائر.. لكن إثارة الفتن والقلاقل أكبر وأشد عند الله من القتل..

 

فهل تبادر المؤسسات التشريعية والتنفيذية لإصدار التشريعات حازمة، واتخاذ الإجراءات الحاسمة، الكفيلة بتطهير حياتنا من هذه السموم حتى يستقيم أمر البلاد والعباد؟