لم يقدر أن تكتحل عيني برؤية إمامنا الشهيد أعلى الله مقامه في عليين فقد ولدت بعد استشهاده بما يقرب من عشرين عامًا لكنني كشأن أبناء الحركة المباركة أحببته حبًّا عظيمًا وتأثرت به تأثرًا بالغًا فقد أولعت بالاطلاع على سير الأولياء الصالحين وتراجم السادة المصلحين وسمعت من معاصريه ومخالطيه روايات مدهشة فوجدتني إزاء شخصية فذة فريدة في ربانيتها وزهدها وعلمها وفكرها وحركتها وحيويتها. فكانت نقطة التحول في حياتي في فهم الحياة والواقع والانتماء للسلام ونظريات العمل الإسلامي وأدركت ماذا يعني انتمائي للإسلام وفرضية العمل الجماعي لإعلاء كلمة الله في الأرض ورسالة المسلم وسمو دعوة الإسلام وخيرية الأمة الإسلامية ودورها في إسعاد البشرية وتحقيق مراد الله في الأرض.

 

إن نقطة البداية في الثقة المطلقة بدعوة الإخوان كما يقول المفكر الكبير سعيد حوي ترجع إلى الثقة بشخص حسن البنا كما أن نقطة البداية في الثقة بالإسلام ترجع إلى الثقة بشخص رسول الله صلى الله علية وسلم.

 

لقد اعتبر كثير من العلماء البنا مجدد الإسلام في القرن العشرين بل اعتبره شيخ سوريا الجليل محمد الحامد مجدد القرون السبعة الماضية ويعد البنا أفقه من وضع نظريات العمل الإسلامي المعاصر بما ألهم من حكمة جعلته قديرًا على استيعاب النصوص واستشراف مجموع الشريعة وإدراك واعي لمسيرة التاريخ الاسلامي والتاريخ العام ومعرفة بأوضاع المسلمين وأمراضهم ومعرفة بالوضع العالمي المعاصر إضافة إلى إمكانية فذة في التنظيم وبعد النظر ووضع الاستراتيجية وأطر الحركة في ضوء وضوابط الشريعة المحكمة.

 

إن شهادة العدول الإثبات من العلماء العاملين في ميدان الدعوة والإصلاح تميز دعوة البنا بأنها أوجدت الصيغة التي يمكن ان يلتقي عليها المسلمون جميعا وحددت نقاط الانطلاق في الفهم والتربية والتنظيم والتخطيط وكانت من المرونة بحيث تستطيع أن تطور نفسها ومن الشمول بحيث تملأ النفس وتتجاوب مع احتياجات الامة وتطلعات العالم.

 

لقد وُهِب البنا كمالات ومواهب لدنية أصقلها بعلم وتجارب أنتجت لنا كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي قيادة دينية اجتماعية لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة سياسية أقوى وأعمق تأثيرًا وأكثر إنتاجًا منها منذ قرون وفي تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد في دنيا العرب خاصة حركة أوسع نطاقًا وأعظم نشاطًا وأكثر نفوذًا وأعمق تغلغلاً في أحشاء المجتمع وأكثر استحواذًا على النفوس منها.

 

لقد نجح البنا نجاحًا مدهشًا في التربية والإنتاج لقد كان منشئ جيل ومربي شعب وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية وقد أثر في ميول وأذواق ومناهج تفكير وأساليب  بيان ولغة وخطاب أجيال تأثيرًا بقي على مر السنين والأحداث ولا يزال شعارًا وسمه يعرفون بها على اختلاف الزمان والمكان.

 

لقد حاول أعداء الدعوة القضاء عليها بتشويه مؤسسيها فلم يفلحوا فعادوا بعدما نالت شخصية البنا حصانة بحب الناس ودفاعا عن عباده المؤمنين عادوا ليثيروا شبه أن الأبناء والأحفاد زاغوا عن منهج المؤسس وأن المؤسس كان يدعو إلى الله ثم خلط الأبناء الدعوي بالسياسي وتوافقوا مع الأنظمة الاستبدادية لأهداف مرحليه لكن المنصف يتأكد لديه أن أبناء البنا ما زالوا على دربه الذي هو درب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنني أدعو أساتذتي وإخواني إلى تجلية هذا المحور والتأكيد عليه في خطابنا الدعوي والسياسي حيث إن الإخوان منذ فجر تكوينها أعلنت عن نفسها أنها هيئة إسلامية جامعة والبنا منذ فجر دعوته كان سياسيًّا من الطراز الأول وقد ترشح بالفعل للبرلمان وراسل الملوك والوزراء وطالب بالإصلاح السياسي وحارب الفساد الإداري إلى جانب الفساد الأخلاقي.

 

في ذكرى استشهاد رائد الصحوة الإسلامية ومؤسس كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة وشيخ المنظرين للعمل الإسلامي الذي تأثر به قادة ورموز العالم الإسلامي الذين شكلوا وجدان وعقول شباب الصحوة الإسلامية كسيد قطب شهيد القرآن وواضع المعالم في طريق الحركة الإسلامية لسيادة هذا الدين والمبشر بمستقبل هذا الدين والقرضاوي فقيه العصر وإمام الدعاة المعاصرين وعالم الأدباء وأمير الأدباء الشيخ محمد الغزالي  هؤلاء الذين علمونا كيف نوقر هذا العلم المفرد حسن البنا الذي أحسن البناء كما وصفه صاحب الظلال فصرنا نهتف نحن شباب الحركة الإسلامية في كل الأرجاء إن للإخوان صرحًا كل ما فيه حسن لا تسألني من بناه إنه البنا حسن.