بسم الله والحمد لله وبعد، فان للوقت أهمية خاصة عند المؤمن، لأن الوقت هو الحياة، وهو نعمة وهدية من الله، وضياع الوقت ضياع العمر والوقت فرصة العمل والإنتاج والنهضة والنجاح، وسوف يحاسب الله عليه، ومن هنا يجب الحرص على الوقت والاستفادة من كل لحظة حتى لا تضيع هدرًا.

 

أهمية الوقت: أقسم الله بالعصر وهو الزمان والوقت، لأهميته، وقسم الناس فيه إلى خاسر ورابح (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)) (العصر)، والوقت هو الحياة وهو عمر الإنسان، وهو أغلى شيء في الدنيا، والعاقل من يهتم بالوقت وحياته، فالوقت هو اللحظة والساعة... واليوم الذي يمر عليك، إنه حياة الإنسان من مولده إلى مماته.. وكلما كثرت المسئوليات كان الاهتمام بالوقت أكثر، وكانت الواجبات أكثر من الأوقات، إن حركة الكون تنبه الإنسان إلى أهمية الوقت والعمر الذي يجري (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)) (الفرقان)، والوقت نعمة من اهم النعم وهبها الله للإنسان، وإن كانت نعمة الله لا تحصى فكذلك نعمة الحياة.. كم لحظة وكم ساعة.. قال النبي (صلى الله عليه وسلم) "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (البخاري ومسلم). وقال الشاعر: إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة.

 

ضياع الوقت من ضياع العمر: كثير من الناس لا يبالون ولا يشعرون أن ضياع الوقت من ضياع العمر، والذي يضيع عمره يتمنى يوم القيامة أن يعود إلى الدنيا ليعمل الصالحات (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (37)) (فاطر)، إن ضياع الوقت في المقاهي وفي مشاهدة التلفزيون فيما لا يفيد، والمعارك في المباريات الرياضية والسهر في اللهو والمجون، ليس هذا من شأن الأمم الناهضة، أنه الضياع والخسران والحساب يوم القيامة، أن الإحصائيات تقول إن العامل العربي لا يعمل أكثر من 27 دقيقة في اليوم في حين أن العامل في البلاد الناهضة يعمل أكثر من 8 ساعات! وهذا سر تخلف الدول.. قال أحد الصالحين: من علامات المقت إضاعة الوقت، وقد يهدر الإنسان وقته في فراغ ثم يقول: ليس عندي وقت للصلاة!!

 

فالذي يضيع وقته، يضيع حياته، فهو في عداد الموتى: قد مات قوم: وهم في الناس أحياء! وقيل:

يسر المرء ما ذهب الليالي.. وكان ذهابها له ذهاب

 

أسباب ضياع الوقت: نذكر من ذلك: عدم تنظيم الوقت وعدم تحديد الأولويات، عدم التحكم في الوقت، عدم الحرص على أوقات الآخرين، عدم استخدام الوقت في أعمال منتجة، تعليق الأعمال للغد، عدم تحديد الموضوع، عدم وضوح الأهداف، عدم التخطيط والتحضير، عدم الحسم واتخاذ القرار وقد يسبب تأخير القرار مشاكل كثيرة، عدم جدية المناقشة..

 

الوقت للعمل والإنتاج: قال تعالى (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) (العصر)، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ربح وفلاح لا في خسر وضياع، والإيمان يولد الطاقة للعمل ويرفعه عن التدني بالأعمال السيئة، وأعمال غير المؤمنين في ضلال وخسر كالسراب. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)) (النور)، والعمل الصالح هو الذي ينفع ويبقى (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) (الرعد: من الآية 17)، (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (23)) (الفرقان)، والعمل الصالح في الدنيا يتمثل في البناء والتعمير ونهضة البلاد وخير العباد والعمل للآخرة يتمثل في الإيمان وحسن الخلق..... والمؤمنون لا تشغلهم أعمال الدنيا عن أعمال المعاد التي تنفعهم بعد مماتهم، ولا يقضون أوقاتهم مع البطالين، ولأهمية المعاني في سورة العصر، كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم ) "إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر هذه السورة" "الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب.. وقد حث الإسلام على العمل في الساعات الحرجة ولو بقي من العمر لحظة ففي الحديث "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله في ذلك أجر" (أحمد: 3/184) والعبادات مرتبطة بالأوقات، فالصلوات الخمس موزعة على الأوقات التي تنبه المسلم على العبادات حتى لا يغفل، والصيام مرتبط بالوقت برؤية الهلال، والحج أشهر معلومات، وسئل النبي (صلى الله عليه وسلم) أي الناس خير؟ قال "من طال عمره وحسن عمله" قيل: فأي الناس شر قال: "من طال عمره وساء عمله" (الترمذي)، ويجب أن يدرب الإنسان وقته على ما يجب عمله لا على ما يحب فعله... ومن أقوال الصالحين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ومن أقوالهم: إن لم تكن في زيادة فأنت في نقصان، ومن أقوالهم: من أكل كثيرًا شرب كثيرًا فنام كثيرًا ومن نام كثيرًا خسر كثيرًا، فالإنسان إما أن يتقدم وإما أن يتأخر والتوقف تأخر: وقال الحسن "ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي المنادي يا أبن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني إذا أمضيت لا أعود إلى يوم القيامة".

 

المحاسبة على الوقت:

ففي الحديث "لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم" الترمذي عن عمر قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، إنما الحساب يخف يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا.. الترمذي.... إن الناس في غفلة عن الحساب كما يقول عز وجل (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (3)) (الأنبياء)، وفي الحديث "اغتنم خمسًا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك" الترمذي وفي الحديث "وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" البخاري.