من يطالع تقارير بعض منظمات المجتمع المدني وتصريحات بعض الإعلاميين والصحفيين حول حرية الإعلام، والمخاطر التي تتهدده يشعر بالدهشة من تلك التصريحات والتقارير..

 

فالاستنتاج الذي لا يمكن أن تخطئه عين، الذي يخرج به أي متابع لوسائل الإعلام المختلفة هي حالة الانفلات الإعلامي التي تعاني منها مصر بصورة غير مسبوقة، التي تضرب عرض الحائط بكل مواثيق الشرف الإعلامي في كل أرجاء المعمورة من غياب للمهنية، والموضوعية، والمصداقية للكثير من البرامج التي تحول بعضها إلى قعدات للمصاطب، ووصلات الردح، وبعد أن تحول مقدموها إلى منظرين وقادة وزعماء سياسيين، فضلاً عن توظيفها لنشر الأكاذيب والافتراءات ضد القوى السياسية التي يختلفون معها، والانحدار إلى مستوى متدن من الألفاظ وهذه التخوفات المتوهمة، كما يذكر مرددوها تأتي من البلاغات التي تقدم ضد الصحفيين والإعلاميين وهذه البلاغات تنقسم إلى قسمين: الأول الذي يتقدم به المواطنون، والثاني البلاغات التي تقدمت بها رئاسة الجمهورية ضد بعض الصحفيين والإعلاميين.

 

 وبالنسبة للقسم الأول الخاص ببلاغات المواطنين فهذه الظاهرة منتشرة من قبل الثورة، وقد عرف البعض خاصة من جانب بعض المحامين بتقديم العديد من البلاغات بحثًا عن الشهرة، بينما يتقدم الكثير من المواطنين بهذه البلاغات عن قناعة حقيقية للنيابة العامة التي غالبًا لا تعير الكثير منها الاهتمام، إما لعدم وجود مصلحة مباشرة لمقدم البلاغ، أو لعدم وجود سند قانوني لفحواه، وقد استشرت هذه الظاهرة بعد الثورة والتي طالت العديد من المؤسسات، والشخصيات على اختلاف توجهاتها، ولا يكاد يمر يوم دون أن يقدم بلاغ ضد رئيس الجمهورية وكبار المسئولين، بل إن أحد المحامين أصبح متخصصًا في تقديم هذه البلاغات ضد رئيس الجمهورية، ولكن بعض الإخوة الصحفيين لا يتوقفون إلا عند بعض البلاغات التي يتقدم بها بعض المواطنين والمحامين ضد بعض الصحفيين، والإعلاميين الذين يرون من وجهة نظرهم أنهم يتجاوزون في حق رئيس الجمهورية ويوجهون له أبشع الإهانات، ويعتبرون هذه البلاغات تهديدًا لحرية الإعلام، وأنها تعبر عن توجه الإخوان، وحزب الحرية والعدالة، وأن مقدميها ينتمون للجماعة، وبصرف النظر إن كان مقدموها من غير الإخوان أو من المنتمين للجماعة الذين ساءهم ما يتعرض له الرئيس من إساءات من وسائل الإعلام فإننا بصدد حق منحه الدستور لكل مواطن فهل يريد الإخوة الصحفيون والإعلاميون انتزاع هذا الحق الدستوري من المواطنين، وأن يتمتعوا دون غيرهم بحصانة تحول دون أي مواطن والتقدم للجهات القضائية بما يراه من وجهة نظره مخالفًا للقانون، أما البلاغات التي تقدمت بها رئاسة الجمهورية فقد جاءت بعد الانفلات الإعلامي ضد الرئيس من إساءة وسخرية وتهكم ونشر الأكاذيب حول الرئيس وأسرته، والغريب أن الذين ينتقدون الرئيس لتقدمه بهذه البلاغات يصرون على الحديث عن ضيق الرئيس بالنقد وتصوير الأمر أنه يتعلق بحرية التعبير مع أن الأمر يتعلق بنشر أخبار كاذبة، أو توجيه الإهانات التي تدخل في نطاق السب والقذف ولو كان الرئيس يضيق بالنقد ويلجأ لتقديم البلاغات ضد من ينتقدونه لما توقفت البلاغات ليل نهار من كمية النقد غير المسبوقة التي توجه له، والتي لم يتعرض لها أي رئيس آخر في تاريخ مصر بل لو لجأ الرئيس لتقديم البلاغات ضد كل من يوجهون له الإهانات لبلغت البلاغات التي يتقدم بها ضد الصحفيين والإعلاميين حدًا لا يمكن تصوره والغريب أنهم يذكرون أن هذه البلاغات الموجهة ضد الإعلام لم يبلغ لها مثيل في عهد عبد الناصر والسادات ومبارك، وهذا هو التضليل بعينه فمن كان يجرؤ على انتقاد عبد الناصر والسادات، وليس توجيه الإهانات لهم، وحتى الانتقادات التي وجهت لهم في فترات معينة فكانت لهم وسائلهم في الرد عليها لقد اعتقل إحسان عبد القدوس على يد عبد الناصر لمدة ثلاثة أشهر ناله خلالها ما ناله من التعذيب عام 1954 عندما كتب مقالا بعنوان "الجمعية السرية التي تحكم مصر" ينتقد فيها مجلس قيادة الثورة قبل أن يستتب الأمر بصورة نهائية لعبد الناصر وتكمم أفواه الصحف في عهده للأبد أما السادات فلا أعتقد أن السادة الصحفيين يجهلون ما تعرض له الصحفيون في عهده من نقلهم لوظائف أخرى في الحكومة والقطاع العام، وما تعرضوا له من مضايقات اضطرت البعض لمغادرة مصر، فضلاً عن مصادرة بعض صحف المعارضة التي ظهرت في عهده أما مبارك فقد ظل خطًا أحمر ممنوع الاقتراب منه لسنوات طويلة، وعندما بدأت الانتقادات تطاله مباشرة من عدد محدود من الصحفيين على رأسهم عادل حسين فقد تعامل معهم مبارك بطريقته الخاصة، وتم تلفيق قضية لعادل حسين وتم القبض عليه كما تم الاعتداء على مجدي حسين وجمال بدوي وفي السنوات الأخيرة لنظام مبارك، ومع تصاعد الانتقادات العنيفة للنظام من جانب بعض الصحفيين وعلى رأسهم عبد الحليم قنديل، وإبراهيم عيسى فقد تعامل النظام معهم بطريقته الخاصة فتعرض قنديل للاعتداء والخطف؛ حيث جرد من ملابسه، وترك عاريًّا في الصحراء، أما إبراهيم عيسى فقد حكم عليه بالسجن في قضية صحة الرئيس، ولم ينقذه من السجن إلا عفو مبارك عنه بعد تدخلات عديدة فماذا فعل د. مرسي في موجهة السيل المستمر من الإهانات، والتي تؤذى كثيرًا من فئات الشعب المصري حتى من غير المؤيدين للرئيس، والذين يسيئهم ما يتعرض له رئيسهم من إهانات لقد لجأ الرجل مثله مثل أي مواطن مصري لتقديم بلاغ للنيابة ضد ما رآه إهانة له استنادًا للقانون، والأمر في نهاية الأمر في يد القضاء فماذا يضيرهم في ذلك، ولماذا يعتبرون هذه البلاغات تهديدًا لهم ومحاولة لإرهابهم إذا كان موقفهم سليمًا من الناحية القانونية؟ ثم أليس لجوء الرئيس إلى القضاء تطبيقًا لما ينادون به من عدم صناعة فرعون جديد وأن الرئيس مجرد موظف مثله مثل أي موظف في الدولة؟ ثم هل يوجد في القانون ما يمنع الشخصية العامة من اللجوء للقضاء في حالة تعرضها للإهانات والافتراءات والأكاذيب؟ أما بعض الذين ينتقدون الرئيس في هذه الخطوة؛ لأنها تنتقص من هيبة ومقام الرئاسة فكان أولى بهم إن كانوا صادقين أن يتوجهوا بانتقاداتهم للذين يوجهون الإهانات للرئيس، ويتعمدون إسقاط هيبته وإسقاط هيبة ومقام المنصب، وكان الأولى بنقابة الصحفيين التي خرج بعض أعضائها ينتقدون الرئاسة أن يكون لها موقف من الصحفيين المتجاوزين، وأن تأخذ المبادرة بأي صورة من الصور لتصحيح الأوضاع الخاطئة، ومطالبة الصحفيين بالالتزام بمواثيق الشرف الصحفي، وكان على كبار الإعلاميين كذلك أن يأخذوا زمام المبادرة، وأن يدعو الفضائيات للالتزام بالمعايير المهنية قد يوافق البعض الرئيس على موقفه، وقد يعترض البعض انطلاقًا من دافع حقيقي وصادق للحفاظ على مقام الرئاسة ومراعاة لطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر الآن، ولكن الشيء المؤكد أن الرئيس لم يتعد أو يتجاوز في استخدام حقه القانوني كمواطن مصري.

 

--------------------------

dsafouthousin20020@gmail.com

مدرس التاريخ الحديث والمعاصر كلية التربية- جامعة دمنهور