في ذكرى ثورتنا المجيدة ثورة الخامس والعشرين من يناير كنا نود أن نحتفل بهذا اليوم التاريخي العظيم، الذي أزاح الله فيه- لا أقول عن مصر فقط بل عن الأمة كلها- ذلك الطاغية المتجبر.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فقد قام المخربون والهدامون والفوضويون بإفساد تلك الذكرى السعيدة وحولوها إلى ذكرى أليمة، وقلبوا الفرح حزنًا والعرس مأتمًا والسعادة تعاسةً،
وأرادوا أن يستبدلوا ثورتنا الحضارية بثورة أخرى تخريبية.
ولقد رأيت في وجوه الناس عامة وأهل الثورة الحقيقة خاصة، خوفًا على ثورتهم وقلقًا على نهضة بلادهم، وفي ذات الوقت وجدت في أعين أهل الثورة التخريبية أملاً وحلمًا وفرحًا وسرورا فيما يحدث وبما يحدث من تخريب وفوضى.
فأردت أن أضع فوارق بين الثورتين- إن جاز تسمية تلك الفوضى ثورة من باب اللغة- ليطمئن أهل الثورة الحقيقية وليندحر وينخنس أهل الثورة الوهمية.
وأهم هذه الفوارق هي كالآتي:-
** قامت الثورة الحقيقية على رئيس طاغية لم يأتِ بالانتخاب ولا عبر الصندوق بل عبر التزييف والتزوير.
أما الثورة الوهمية فهي ضد رئيس جاء عبر انتخابات حرة ونزيهة شهد لها القاصي قبل الداني.
**قامت الثورة الحقيقية على رئيس ليس له سند أو ظهير شعبي حقيقي مع أن حزبه كان يضم ما يقارب 2 مليون عضو لكن أغلبهم كان من أصحاب المنافع والمصالح الشخصية.
أما الثورة الوهمية فهي ضد رئيسٍ له قاعدة شعبية مؤيدة له تأييدًا حقيقيًّا وليس تأييدًا وهميًّا مزيّفًا.
** قامت الثورة الحقيقية على رئيس أخذ فرصته كاملةً وزيادة، فظلَّ ثلاثين عامًا يحكم كيف شاء ويفعل ما يشاء متى شاء وكيف شاء.
أما الثورة الوهمية فهي ضد رئيس لم يمر عليه في الحكم سوى سبعة أشهر ولو أراد فعل شيء أي شيء فلن يُترك ولن يُعطى حرية أخذ القرار والتنفيذ.
**قامت الثورة الحقيقية على رئيس أهدر كل مقدرات الشعب وموارده بل ونهبها هو وأعوانه.
أما الثورة الوهمية فهي ضد رئيس يحكم بلدًا منهوبًا مخربًا، يبحث له كل يوم عن أموال وموارد تنقذ بلده وتغنى شعبه.
**قامت الثورة الحقيقية على رئيس لم يكن يجرؤ أحد على معارضته إلا القليل، وكانت الاعتقالات مصيرهم والمحاكمات العسكرية في انتظارهم.
أما الثورة الوهمية فهي ضد رئيس يُسب ويشتم علنًا على الفضائيات، فضلاً عن أنه ينتقد ويعارض في كل شيء يفعله صوابًا كان أم خطئًا. ولم نجد أحدًا من معارضيه، فضلاً عن شاتميه قد عُوقب أو أُوذي.
** قامت الثورة على رئيس كان قد أمر بقتل الثوار في أيام الثورة الحقيقية.
أما الثورة الوهمية فهي ضد رئيس يسعى بكل جد للقصاص العادل ممن قتل الثوار الحقيقيين، فضلاً عن أن الحزب والجماعة الذي كان ينتمي إليهما قد وقع منهما شهداء في هذه الثورة.** قامت الثورة الحقيقية على رئيسٍ كان في ليلة الثورة يحتفي بداخليته الغاشمة.
أما الثورة الوهمية فهي ضد رئيس يحتفى ليلتها بذكرى ميلاد نبيه الملهمة.
** قامت الثورة الحقيقية على دستور كان مفروضًا على الشعب ولم يُستفت عليه ولو حدث ذلك كانت تُزور إرادته، دستور كان يرفعه فوق مستوى المساءلة ويُمهِّد لتوريث ولده من بعده.
أما الثورة الوهمية فهي ضد دستور وافق عليه الشعب بأغلبية الثلثين تقريبًا، وهو دستور يسمح بمحاكمة الرئيس بتهمة الخيانة العظمى إذا وافق على ذلك ثلثا أعضاء مجلس النواب.
**قامت الثورة الحقيقية لغياب الحرية والديمقراطية.
أما الثورة الوهمية فهي تهدف إلى هدم نتائج الديمقراطية سواء كانت دستورًا مستفتًى عليه أو رئيسًا منتخبًا، بل وتجاوز تلك الديمقراطية إلى نظام المحاصصة لأن من يتبنون تلك الثورة الوهمية يخشون من الديمقراطية؛ لأنهم يعلمون أنها لن تأتي بهم إلى سدة الحكم وكرسيّ السلطة.
** في الثورة الحقيقية كان الثوار الحقيقيون يُعتدى عليهم من قبل الداخلية والبلطجية بكل أنواع الأسلحة ولا يردون إلا دفاعًا عن النفس بالحجارة فقط.
أما في تلك الثورة الوهمية فالثوار الوهميون هم مَن يعتدون بكل الأسلحة على مؤسسات الدولة والممتلكات الخاصة والعامة وعلى رجال الداخلية الذين يحمون تلك المؤسسات والممتلكات ولا يردون عليهم إلا دفاعًا عن تلك المؤسسات والممتلكات، وعن أنفسهم بالحجارة فقط أو على أقصى تقدير بالغازات المسيلة للدموع.
** في الثورة الحقيقية تخلت الداخلية التي كانت ذراعًا للديكتاتورية عن واجبها في حماية الشعب وممتلكاته وتركته لبلطجيتها لتردعهم وتردهم عن ثورتهم.
أما في الثورة الوهمية فما زالت الداخلية- وستبقى بإذن الله- تدافع عن المؤسسات والممتلكات ضد هجمات المخربين بل ويستشهد أبناؤها في سبيل ذلك ولم يتخلوا عن مسئولياتهم ويخلعوا ثيابهم العسكرية ويخلدوا إلى بيوتهم.
** الثورة الحقيقية كانت نموذجًا راقيًا للأخلاق والأدب فلم يتحرش بأي فتاة فيها على الإطلاق مع وجود كثرة منهن متبرجات، فضلاً عن غيرهن.
أما الثورة الوهمية فأنا لن أقول عما حدث فيها من تحرش شيئًا بل أحيلك إلى الصحف التى ذكرت ما حدث فى يوم 25/1/2013م في محيط ميدان التحرير من تناوبٍ لاغتصاب امرأة بل عشرات حالات الاغتصاب الجماعي؟!
** الثورة الحقيقية كان أبناؤها يلتزمون بعبادات وشعائر دينهم على اختلافاتهم الدينية مهما كانت الأحداث من حولهم، ففي يوم جمعة الغضب رأينا الصلاة تُصلى على كوبري قصر النيل مع اعتداء الداخلية عليهم، وكذلك رأيت مَن يصلون المغرب والعشاء في الميدان يوم موقعة الجمل مع ما كنا فيه من اعتداء وقتل، ورأيت أبناء الوطن من المسيحيين يحيون قداسهم في أيام الأحد وغيرها.
أما الثورة الوهمية فأبناؤها من المسلمين والمسيحيين لم نرهم يوقفوا اعتداءاتهم على المؤسسات أو الأفراد ليصلوا صلواتهم.
** الثورة الحقيقية لم تكن لها رأس سياسية ولا زعامة حزبية ولا رؤية أيديولوجية.
أما الثورة الوهمية فرؤوسها السياسية وزعاماتها الحزبية ورؤاها الأيديولوجية واضحة ومعروفة لكل الناس.
** وأخيرًا الثورة الحقيقة كانت تلقائيةً فلم يُخطط لها في بدايتها أو يراد لها ذلك.
أما هذه الثورة الوهمية والفوضى التخريبية فهي افتعالية ومخطط لها ومعدة سلفًا وليست وليدة الأحداث.
- هذه هي أهم الفوارق في نظري بين الثورتين- إن جاز تسمية ما يحدث من أعمال شغب وتخريب وقتل وحرق بثورة- ثورة تخريبية لا حضارية، ثورة وهمية لا حقيقية، ثورة هدامة لا بنَّاءة وأخرى حضارية لا تخريبية، حقيقية لا وهمية، بنَّاءة لا هدامة.
أردت تذكير الجميع بها ليهدأ أهل الثورة الحقيقية ويطمئنوا على ثورتهم التي ليس لها مثيل والتي بها من المقومات والأسس والمظاهر ما لم يتوفر في ثورات أخرى.
وليفعل أهل الثورة الوهمية المضادة ما شاءوا فإن انتفاضتهم التخريبية إلى زوال وهوان- بإذن الله- لأنها ثورة على الحق لا على الباطل، وليعلموا أن الله غالبٌ على أمره ولكن أكثرَ الناس لا يعلمون.
--------------
ملحوظة: نأسف لخطأ غير مقصود، حيث تم وضع صورة الدكتور سامح فوزي الكاتب المعروف.. مع الاعتذار.