دائمًا ما أقول لنفسي: إن العبد إذا أخلص النية لخالقه، فإن الله سيهيئ له من أمره رشدًا، وسيجعل له من الشدائد مخرجًا، فإذا كنا على ثقةٍ من أن نوايانا خالصة لا تشوبها شائبة، ولا تتملكها نوازع المصالح الشخصية، وأننا نتحرى في أفعالنا وأقوالنا ألا نحيد عن طريق الحق، فإن أي نازلةٍ تحل بنا لا يمكن أن نحملها على إثمٍ آخذنا الله بجريرته.
يجب أن نقف لنتأمل آية الله فيها لنكشف وجه الخير الذي قد لا ندركه من الوهلة الأولى، والذي ربما يتكشف بعد فترةٍ من الزمن طالت أم قصرت، فندرك قصور علمنا بالمقارنة بعلم الله، ومحدودية عقولنا بالقياس مع مطلق ملكوت الله، وقد أورد الله عز وجل هذا المعنى في الآية 216 من سورة البقره في قوله: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
إن ما تمر به البلاد من أزماتٍ ومحن رغم أن السواد الأعظم من الشعب قد أخلص النية على التخلص من آثام الماضي التي لا ذنب له فيها، وإنما هي آثام من كانوا يحكمونه، وتغاضى عنها لسنواتٍ طوالٍ، فحمل بالتبعية جريرتها من ذلٍّ وهوانٍ وضيقٍ فاق التحمل، لقد انتفضت إرادة الشعب في ثورةٍ أدهشت العالم، سهر على حمايتها حتى اختار بإرادةٍ حرةٍ من يمثله ويعمل من أجل مصلحته، ووضع بأغلبيةٍ تقارب الثلثين دستورًا يحقق أمانيه ويحافظ على مكتسبات ثورته، ويحمي حرية وحقوف أبنائه، فإذا كنا لم نقصر فيما أوجبه الله علينا نحو الوطن، فلماذا مُنينا بمن يحاول أن يهدم ما بنيناه، وأن يسرق مكتسبات ثورتنا، ويحرق الوطن بما فيه ومن فيه.
أعتقد أن الأمر يحتاج منا أن نتأمل حكمة الله في ذلك، فالألم- وإن كنا قد نكرهه- ربما كان سببًا في تنبيه الأطباء إلى موطن الداء قبل أن يفتك بالجسد، وإلى معرفة الدواء الفعال في سبيل الشفاء التام، فإذا كان ما فعله فلول النظام السابق من محاولاتٍ مستميتةٍ لإفشال الثورة والعودة بنا إلى الوراء، قد أصاب الوطن بالألم، إلا أن هذا الألم قد أفصح لنا عن موطن الخلل كي نضع الحلول التي تمكننا من علاج هذا الخلل، فلولا ما فعله الزند ومن معه، ما كان لنا أن نعرف حجم الفساد في سلطة القضاء، وعدد عملاء النظام البائد في جهاز العدالة الذين أفادوا واستفادوا منه، فكشفوا عن وجوههم لنعرف هوياتهم ونأمن خطرهم، ولولا أحداث بورسعيد التي وقعت اعتراضَا على قرار المحكمة بإحالة 21 متهمًا في القضية المعروفة إعلاميًا بمجزرة بورسعيد، ما كان لنا أن نقيس مدى ما سببه مبارك ونظامه من انعدام الثقة بين الشعب والقضاء بما ينذر بخطرٍ داهمٍ يستدعي الإسراع بإصدار قانون السلطة القضائية الجديد بما يكفل إعادة هيكلة القضاء وتطهيره لاستعادة ثقة الشعب فيه.
لقد أثارت أحداث بورسعيد في نفسي ذكرى ما كان من أمجاد شعب بورسعيد في مقاومة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بفضل المقاومة الشعبية الباسلة لأبناء بورسعيد، وفكرت لماذا لا تقنن الحكومة قانونًا لتنظيم اللجان الشعبية لتكون أجهزةً للدفاع المدني عن الثورة وعن منشآت الوطن الحيوية تحت قيادة أجهزة الأمن المعنية؛ لأن المقاومة الشعبية لأعدائنا من جماعات التخريب في الداخل لا تقل أهميةً عن المقاومة الشعبية لأعدائنا في الخارج، وهناك الحاجة الماسة إلى دعم أجهزة الأمن- في هذا الوقت- بغطاءٍ شعبي مسلح يساعدها على إنجاز المهام المكلفة بها.