هذه المقالة حول تغير حال تهاني الجبالي من المحاماة إلى مستشارة ثم العكس، وهذه المقالة للعظة لكل الناس بمن فيهم شخصي الضعيف والأستاذة المحامية تهاني الجبالي غير شامت بها، وأرجو ألا يخطر ببال القارئ بعد قراءته للمقال أنني أخلع عليها الكفر أو الفسوق، فهي مسلمة يجرى عليها سنة الابتلاء بالخير والشر مثل جميع المسلمين. يقول القرآن الكريم: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكُم بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (آية 35 سورة الأنبياء)، وفي سورة الفرقان: (وجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (من الآية 20)، وبالمناسبة أُكرر مرةً أخرى لا أقصد الأستاذة تهاني بشرٍّ، ولكنها النصيحة لي ولها ولعامة الناس وخاصتهم، ونُعرض فيما يأتي بعضًا من سيرة الأستاذة تهاني الجبالي.
تهاني محمد الجبالي من مواليد 1950 محافظة الغربية، عملت في بداية حياتها لفترة بالشئون القانونية بجامعة طنطا، ثم قدَّمت استقالتها في 1987 لتعمل محامية حرة حتى عام 2003، ثم صدر قرار جمهوري في 22 يناير 2003 من المخلوع بتعيينها مستشارة بالمحكمة الدستورية العليا، وكانت أول امرأة تُعين في القضاء، كما أنها المرأة الوحيدة التي عُينت بالمحكمة الدستورية حتى الآن، وهذا يعني أنها صاحبة أعلى منصب قضائي تحتله امرأة مصرية، وقد أصبحت في أيام المخلوع بالطبع نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية، ولا يمكن للأستاذة تهاني أن تدعي أنها كانت أفضل من شيوخ القضاة الذين لم يعينهم المخلوع حينها في المحكمة الدستورية، وكانت فرصة للأستاذة لتعترف بفضل الله عليها، وألا تظن أنها فلتة وأفضل من أولئك الأفذاذ لترتقي دفعة واحدة من محامية إلى مستشارة بأعلى محكمة في البلاد.
ورد في جريدة (الوفد) 11/ 7 / 2012 صورة توكيل تداولها البعض على موقع "فيس بوك" لصورة ضوئية تبين أن تهاني الجبالي كانت محامية زوجة المخلوع قبل تعيينها مستشارة بالمحكمة الدستورية العليا؛ حيث إن الصورة لتوكيل رسمي بتاريخ 7/5/2001م من سوزان صالح ثابت إلى تهاني الجبالي في جميع القضايا، كما جاء في موقع "فيس بوك" أنها عينت مستشارة بالمحكمة الدستورية العليا بتدخل من سوزان مبارك.
وبعيدًا عن مدى صحة تدخل سوزان مبارك، فقد أثار تعيين تهاني الجبالي جدلاً واسعًا في الأوساط الدينية والسياسية والقضائية، وحتى المؤيدون فضلوا أن يبدأ عمل المرآة قاضية في المحاكم الشخصية والابتدائية، لا أن تبدأ مباشرة بأعلى محكمة قضائية في البلاد، كل ذلك يبين أن ارتقاءها من محامية إلى مستشارة قبل اعتلاء المرأة مقاعد القضاء في عهد المخلوع، مسوغًا لتساؤل وإشاعات.
وكان أمام تهاني الجبالي مفترق طرق بعد الثورة، كان عليها أن تحترم مقعد القضاء ولا تزاول السياسة، وأن تحترم إرادة الشعب، كان المفروض أن يكون ولاؤها للثورة والحكم الديمقراطي، تعاملت مع قرار تعيينها بأنه منة شخصية من مبارك وأنه يستحق الدفاع عنه عبر استمرار الحكم العسكري في البلاد حتى لا يضار ولي نعمتها، وكان الأولى بها أن تفهم أن مبارك لم يعطها شيء من بيت أبيه، بل من خير هذه البلاد، وكان عليها أن تفضل مصر عن سوزان ومبارك، وإخلاصًا منها لمبارك وأيامه الحلوة لم تكف الجبالي منذ الثورة عن تعطيل مسار الثورة من خلال تضامنها صراحةً مع النخبة ضد تحرك البلاد من المشهد الثوري تجاه المسيرة الديمقراطية ونهضة البلاد، ومما يبرر عداءها للديمقراطية عندما تفرز تيار إسلامي، أنها عضو مؤسس بالحزب الناصري، اعترفت تهاني في حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أنها نصحت المجلس العسكري بعدم التنازل عن السلطة للمدنيين، وأنها حذرت المجلس العسكري من إجراء انتخابات الرئاسة؛ لأن الأغلبية من التيار الإسلامي، للتأكد انقر الرابط:
http://www.el3alamya.com/vb/t2881.html
وتقدم النائب السابق محمد العمدة ببلاغ للنائب العام السابق محمود عبد المجيد ضد تهاني الجبالي بعد تصريحاتها لصحيفة نيويورك تايمز يتهمها بتحريض المجلس العسكري على الاستمرار في الحكم، إلا أن النائب العام السابق حفظ التحقيق بحجة أن الأمر مجرد حرية تعبير ورأي شخصي.
ولعل هذا يوضح مسألة مهمة جدًّا هي أنها كانت من الحريصين على استمرار المحكمة الدستورية في نظر القضايا في ذات الوقت كانت تدفع مع المستشار الزند في اتجاه تعليق العمل بالمحاكم، والذي أعلن يوم 21/11/12 اعتراضًا على مواقف سياسية، أي أنها كانت تدفع لتعطيل الدستور والاستفتاء في ذات الوقت بتعطيل العمل بالمحاكم، وفي نفس الوقت لم تطالب بتعطيل المحكمة الدستورية وكانت نائبة بالمحكمة؛ وذلك حتى لا يضيع وقت في نظر القضايا التي كان من الممكن أن تعصف بهذا الجنين قبل أن يرى الحياة، وهذا كله راجع لأنها كانت ترى فيه تكريس للثورة والقضاء على أحلامها الشخصية التي ورثتها عن المخلوع.
وفي 25/12/12م بدأ سريان الدستور الجديد، ووفقًا للمادة 233 قررت الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية في اجتماعها بتاريخ 26/12/12 عودة 7 مستشارين لوظائفهم السابقة في القضاء، بالإضافة إلى رجوع تهاني الجبالي للعمل بالمحاماة. فماذا كان موقفها؟
وقد نصت المادة 176 من الدستور الجديد على أن "تشكل المحكمة الدستورية العليا من رئيس وعشرة أعضاء.."، كما نصت المادة 233 على: "تؤلف أول هيئة للمحكمة الدستورية العليا عند العمل بهذا الدستور من رئيسها الحالي وأقدم عشرة من أعضائها ويعود الأعضاء الباقون إلى أماكن عملهم التي كانوا يشغلونها قبل تعيينهم بالمحكمة".
وقد أشارت جريدة (الأهرام) 9/1/2013م إلى طعن تهاني الجبالي أمام المحكمة الدستورية في شرعية الدستور والطعن في دستورية عزلها من وظيفتها كقاضية، وقد ملأت تهاني الدنيا ضجيجًا؛ اعتراضًا على استبعاد الدستور لها، وللتأكد انقر على الرابط: http://videohat.masrawy.com/view_video.php?viewkey=c3138421c78c3a5acb72.
وهنا يجب أن نقر بحقها في اللجوء لرفع دعوى للقضاء بغض النظر عن شرعية طلباتها، لكن هل طلباتها معقولة؟ لعل الطعن في شرعية الدستور، أمر لا يعقله طالب في كلية الحقوق؛ لأن ذلك يخرج عن ولاية القضاء لمبدأ بدهي يتلخص في أن إرادة الشعب تعلو على إرادة القضاء، هل يخفى عليك وأنت مستشارة سابقة بالمحكمة الدستورية، ولعل تهاني نفسها تسلم في قرارة نفسها، وربما هذا الضحيج جلبة لزبائن لمكتب المحاماة الخاص بها، خاصة أنها لم تزاول المحاماة منذ 2003.
للأسف أحد خريجي الحقوق حصل على تقدير جيد جدًا ولم تمكنه ظروفه القاسية سواء من التعيين بالنيابة، كما لم تتح له التدريب بقروش بمكتب محام، ومن ثم عمل بائعًا في سوق خضار، وكان هذا الرجل يحمل في نفسه حسرة وألمًا عندما كان يرى من هم أقل منه في التقدير وأكثر منه حظًا من زملائه يشار إليهم بألقاب فلان بك أو فلان باشا بعد أن تبوءوا منصات القضاء.
إن قصة تهاني الجبالي من المحاماة إلى أعلى محكمة في مصر ثم العودة مرةً أخرى، يذكرنا بقصة قارون والفقراء الذين تمنوا مكانه بالأمس. فهل من مدكر؟.
----------
* الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج