لقد علم القاصي والداني في الخارج والداخل أن المجالس النيابية الأخيرة في مصر في آخر عهد الرئيس المخلوع قامت على الغش والتزوير- وليست هذه فحسب- وفي الصحيح: "من غشنا فليس منا"، وبناءً عليه أهدرت كفاءات وكفايات على مر هذه العقود الثلاثة، وفي عنق ولي الأمر ومن عاونه إثم كل ما ترتب خلال هذا العهد من المفاسد والمظالم، هذه المفاسد والمظالم التي نتجت عن كيفية إدارة البلاد خلال هذه الحقبة.

 

لقد كان بالإمكان أن يتدارك ذلك كله ويتلافاه، ويتوقاه، منذ أن تعالت الأصوات بهذه الفضائح التي أزكمت الأنوف داخليًّا وخارجيًّا، قد كان بالإمكان تدارك الأمر بحل هذه المجالس وإعادة الانتخاب من جديد مع شفافية ومصداقية، وهو الرابح دنيا وأخرى، ولا سيما عندما تعكس صناديق الاقتراع- بحق ونزاهة- إرادة الشعب، درءًا لهذه المفاسد وحقنًا للدماء، التي سالت بغير حق، وصونًا لهذه الأموال التي أتلفت، ونأيًا بالبلاد عن هذه الخسائر التي منيت بها البلاد خلال فترة التظاهرات وقبلها، إعمالا للقاعدة الشرعية، درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح.

 

أمثال هؤلاء الرعاة، كلت بصائرهم، ومرضت أهواؤهم، ونغلت نياتهم، وسقمت ضمائرهم، ودويت قلوبهم، ودغلت صدورهم، وفسدت سرائرهم."اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ" (الروم: 54).

 

وقد أوشك حقًا وصدقًا أن يستكمل مدته، ويستوفي رزقه، ويتقصى أُكُله، ويستتم حظه من الحياة، ويبلغ الميقات، ويستنفد معدود أنفاسه، وأيام أجله، وكأنه قد أطل من نافذة على شعبه ورعيته، وقد نبهته من رقدته، وأيقظته من غفوته، فطالع سيرته فيهم، فإذا به يجد نفسه وقد فتح عليهم أبواب الظلم، وأطلق عليهم عقال الجور،وقد أحيا معالم الجور، وأمات سنن العدل، وملأ جنبات جمهوريته بسوء طريقته جورًا، وأضرم البلاد بسوء سيرته نارًا، وتأَكَّل رعيته، واستأكلهم واستأصلهم، فدحهم بالمؤن المجحفة، والكلف الباهظة، والنوائب المجتاحة، فإذا هم قد تشعبتهم الهموم، وتقسَّمتهم الغموم، وتوزَّعتهم الحيرة، ألا إنه قد خوى نجمه، وركدت ريحه، وكبا جواده، وخمد ضرامه، ونضب ماؤه، وانثلم ركنه، وانهار جرفه، ورغم أنفه، وسقط بهاؤه، وصفر إناؤه، كم استفزه الشيطان بغروره، وأغواه واستزله بختله، واستهواه بكيده، وفتنه بشبهه ونزغه، وضلله بحيله، واحتوى عليه بشدة الجهالة، فصده عن السعادة، واستحوذ عليه الشقاء، فصرفه عن الرشد، واستطرده الحَيْن فأقبل به إلى التعدي، واستولى عليه البغي فحال بينه وبين الإنابة، واعتلاه التطاول فكبحه عن التوفيق، وغلبت عليه النخوة، فربطته عن الرجعة، وأملى له الشيطان؛ فورَّطه في الغرور، وزيَّن له قبيح عمله، فأضله عن سواء السبيل، وسوَّل له التغرير، فزاغ عن وضح المحجة، وضلله بخدعه فأورده مُخْوِف الموارد، وأطبق خاتم الحرص على قلبه، فطبعه بغروره.. (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا) (المائدة).

 

إن هذه النهاية جزاء ما اقترف ومكافأة ما اجترح، ومقابلة ما كسب، ومقايضة ما ارتكب. ومن لم ينظر في العواقب لم يسلم من المعاطب. نهاية أشبعه فيها شعبه لومًا، رحم الله الفاروق عُمَرَ الذي كان من دعائه: "اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَخَشِيتُ الانْتِشَارَ مِنْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ عَاجِزٍ وَلا مَلُومٍ". وهو دعاؤنا، ونعوذ بالله من سوء الخاتمة، وسوء العاقبة.

 

أقول: إن ولي الأمر العام خلال هذا العهد يتحمل وزر كل من ولَّاه مباشرة أو غير مباشرة من الوزراء والمحافظين، والمدراء، وسائر الولاة من الولايات الصغرى، في كل المواقع، إذ الواجب عليه شرعًا أن يعين ويقدم في كل ولاية من هذه الولايات والوظائف الأقوم بصلاحها عدلاً وأمانة، والقوة والأمانة هما ركنا الولاية العامة والخاصة، قال تعالى: "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" (القصص: 26)، "قال عفريت من الجن أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" وقال تعالى في وصف جبريل عليه السلام "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ* مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ" (التكوير: 19-21.) وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام "إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِين" (يوسف: 54).

 

قال الإمام الجويني- رحمه الله تعالى في غياث الأمم في التياث الظلم في معرض بيانه "مَا يُنَاطُ بِالْإِمَامِ مِنْ أَشْغَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ; إِذَا تَبَيَّنَ مَا يَرْتَبِطُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يَسْتَنِيبُ فِيمَا إِلَيْهِ الْكُفَاةَ الْمُسْتَقِلِّينَ بِالْأُمُورِ، وَيَجْمَعُ جَمِيعَهُمُ اشْتِرَاطُ الدِّيَانَةِ وَالثِّقَةِ وَالْكِفَايَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشُّغُلِ الْمُفَوَّضِ" (غياث الأمم في التياث الظلم (160) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)).

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- يَجِبُ عَلَيْهِ- أي ولي الأمر- الْبَحْثُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوِلَايَاتِ مِنْ نُوَّابِهِ عَلَى الْأَمْصَارِ؛ مِنْ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ هُمْ نُوَّابُ ذِي السُّلْطَانِ وَالْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ وَمِنْ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَمُقَدِّمِي الْعَسَاكِرِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَوُلَاةِ الْأَمْوَالِ: مِنْ الْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالشَّادِينَ وَالسُّعَاةِ عَلَى الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَيَسْتَعْمِلَ أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ؛ وَيَنْتَهِي ذَلِكَ إلَى أَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُقْرِئِينَ وَالْمُعَلِّمِينَ وَأُمَرَاءِ الْحَاجِّ وَالْبَرَدِ وَالْعُيُونِ الَّذِينَ هُمْ الْقُصَّادُ وَخُزَّانِ الْأَمْوَالِ وَحُرَّاسِ الْحُصُونِ وَالْحَدَّادِينَ الَّذِينَ هُمْ الْبَوَّابُونَ عَلَى الْحُصُونِ وَالْمَدَائِنِ وَنُقَبَاءِ الْعَسَاكِرِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَعَرْفَاءِ الْقَبَائِلِ وَالْأَسْوَاقِ وَرُؤَسَاءِ الْقُرَى الَّذِينَ هُمْ "الدَّهَاقِينُ". فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ" (مجموع الفتاوى: 28/247).

 

وقال أيضًا "إذَا عُرِفَ هَذَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ إلَّا أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ فَيَخْتَارُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ بِحَسْبِهِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ وَأَخَذَهُ لِلْوِلَايَةِ بِحَقِّهَا فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِي هَذَا وَصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ؛ وَإِنْ اخْتَلَّ بَعْضُ الْأُمُورِ بِسَبَبِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" وَيَقُولُ: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا" وَقَالَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ" وَقَالَ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ" فَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَقَدْ اهْتَدَى. (مجموع الفتاوى (28/ 252)).

 

وقال "مِنْ الْمُسْتَقِرِّ فِي فِطَرِ النَّاسِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ الْعَدْلَ فَهُوَ عَادِلٌ وَمَنْ فَعَلَ الظُّلْمَ فَهُوَ ظَالِمٌ. (مجموع الفتاوى (8/128)).

 

وقال: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: يَنْبَغِي أَنْ يُوَلَّى الْأَصْلَحُ لِلْوِلَايَةِ إِذَا أَمْكَنَ: "إِمَّا" وُجُوبًا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَأَنَّ مَنْ عَدَلَ عَنِ الْأَصْلَحِ مَعَ قُدْرَتِهِ- لِهَوَاهُ- فَهُوَ ظَالِمٌ، وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَوْلِيَةِ الْأَصْلَحِ مَعَ مَحَبَّتِهِ لِذَلِكَ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَيَقُولُونَ: مَنْ تَوَلَّى فَإِنَّهُ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ، "وَلَا يُعَانُ إِلَّا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ"، وَلَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يُعَانُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ (منهاج السنة النبوية (1/ 552)). هذا وبالله التوفيق، وللحديث صلة بحول الله تعالى وقوته.