يتعرض الرموز كل يوم للإساءة والانتهاك المنظم والممنهج من قبل التيار العلماني الليبرالي وما يملكه من وسائل إعلام رهيبة اتخذت الكذب سبيلاً للتعامل مع الخصوم، فبعد أن كان يتم الاعتداء والسخرية من الأزهر الشريف لأنه الذي كان في الساحة مستأنسًا لا يقدر على تخطي خطوط معينة في التعامل مع النظام البوليسي الفاشي الذي استمر في الحكم ستين عامًا، وكان التيار الإسلامي بكل فصائله يقبع في السجون وتمارس ضده كل أنواع التعذيب البشعة التي فاقت محاكم التفتيش، ووجدنا التيار اليساري والناصري يهتف للزعيم عبد الناصر وهو عائد من موسكو بعدما أمر باعتقال 17 ألفًا من جماعة الإخوان، وهو يخطب في الكرملين في موسكو، استقبلته جحافل الشيوعية التي اشتراها وأغدق عليهم المناصب والجوائز والأموال قائلين: "ذبح ذبح يا جمال لا رجعية ولا إسلام ... ذبح ذبح يا جمال لا رجعية ولا إخوان"... فما كدنا ننسى الهجوم الشرس على العالم العلامة الدكتور على يوسف القرضاوي عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر الشريف من قِبل رئيس تحرير الأهرام حتى صدمنا بهجوم آخر على نفس الصحيفة في عددها الصادر يوم 10/1/2013، على الدكتور حلمي القاعود الذي ملأ الأرض علمًا، وهاجم الطغاة وأجهزتهم الرهيبة في عز وجودهم، لم يتحول كغيره، ولم يسود آلاف الصفحات في تمجيدهم، ولم يحظ بود الرائد موافي فيظهر في كل القنوات التليفزيونية، أو بود الوزير الفنان فتفتح له خزائن وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة وجوائز الدولة؛ حيث إنه لم يحصل على جائزة الدولة التشجيعية على الأقل، ولم يحظ بود جمال مبارك وصبيانه في لجنة السياسات الذين أسسوا القنوات الفضائية والصحف، واشتروا ضمائر الكتاب والصحفيين لاستخدامهم أبواقًا في تجميل صورة النظام وليعملوا محللاً له ولسياساته.

 

كتب الدكتور حلمي محمد القاعود مقالاً عن الأستاذ هيكل أشاد به لجهوده في فترات سابقة وعلق فيه على مواقفه الأخيرة التي هاجم فيها النظام الحاكم والدستور والتحول الديمقراطي، وهو الذي كان شاهد عيان ومشاركًا في سياسات النظام الناصري التي انتهت بكارثة 1967، ولم يكن القاعود أول من انتقد هيكل، فقد انتقده الكثيرون في الماضي والحاضر منهم الكاتب اليساري أحمد حمروش صاحب الكتاب الضخم "قصة ثورة يوليو"، وانتقده أيضًا الدكتور إبراهيم عبده (وهو بمثابة أستاذ لهيكل) في كتابه "تاريخ بلا وثائق 1975"، وانتقده أيضًا الكاتب الكبير محمد جلال كشك، والدكتور أحمد شلبي، والكاتب الصحفي محمود فوزي، وغيرهم.. على أثر ذلك خرج أحد الناصريين الذين تولوا المناصب في زمن الإخوان ليكيل التهم والإهانات للدكتور القاعود في مقال له بالأهرام، لا يفيد عنوانه بما جاء في متنه؛ حيث إن العنوان "هيكل أستاذي والقاعود أيضًا"، غضب الكاتب الذي يتولى رئاسة تحرير أكبر المجلات الثقافية في مصر والعالم العربي التي تخرج عليها كل أدباء مصر والعالم العربي وكانت منبرًا ثقافيًّا يحوي كل التيارات، أما في عهد رئيس التحرير الهمام فقد أقصي منها كل التيارات وأصبحت مقصورة على فصيل بعينه "التيار اليساري"، ولم يجد من الموضوعات والملفات في العدد الأخير سوى شخصية "جيفارا" الدموي الذي يتخذه الشيوعيون والأناركيون إلهًا يعبد من دون الله، وكان يؤمن بالحل الدموي، أعد عنه ملفًا كاملاً، انتظارًا للثورة القادمة المزعومة التي ستندلع شراراتها في 25 يناير القادم. يود لو عاد مجد شمس بدران وعبد الحكيم عامر، تهون في عينيه هو ومن على شاكلته، النكسات والهزائم والمظالم التي وقعت في العصر الناصري، بينما يشنع هو ورفاقه ليل نهار عن التجربة الديمقراطية الوليدة في مصر، واعتبر سيده الذي يدافع عنه بالحق والباطل أن الدستور الذي استفتي عليه الشعب مؤخرًا هو دستور النازي ويؤسس للدولة الدينية الثيوقراطية، وأن الكرسي كبير على مرسي، وأن تجربته فاشلة دون طرح دليل مقنع للخاصة والعامة (أهو كده وخلاص ولا تجادل وإلا ستحول للجلاد حمزة وشمس يعملونك التعامل مع أصحاب البيادة التي يحن إليها الكاتب).

 

كان كاتب المقال قد أجرى حوارًا مع هيكل ضمنه العدد التذكاري من مجلة "الهلال"، وفيه يصر هيكل على علمانيته البغيضة المتطرفة، التي تؤمن بالفصل التام بين الدين والدنيا، وقد حذر هيكل في حوار له مع جريدة "الأهرام" قبيل الانتخابات الرئاسية من نجاح المرشح الإسلامي وقال (إنه لا يعقل أن تقوم دولة دينية على شاطئ المتوسط)، وخوّف الناس من التجربة الإسلامية، أما في حوار محمد الشافعي فقد قال: "إن تيار الإسلام السياسي في مصر لا يقبل مبدأ الاختلاف فكريًّا، وهذا ليس الآن فقط؛ حيث إنني أختلف مع المقولة الأساسية للأستاذ حسن البنا، مؤسس الإخوان المسلمين، من أن الإسلام دين ودولة؛ وذلك لأن هذه المقولة تحمل كثيرًا من التناقض، فالدين ثابت والسياسة نسبية، والدين يقين واعتقاد، والسياسة حوار دائم ومستمر، كما أن الدين له منطقه ومجاله وله فعله بمقدار ما هو ممكن، ولكنه دومًا في القلب، أما السياسة فقضية أخرى؛ لأنها خيارات دنيوية، وليست أخروية، وأزمة سيطرة تيار الإسلام السياسي تكمن في غياب (مجال الحوار) فالوعد والتبشير والجنة والنار كلها أشياء لا تمهد لاختيارات سياسية؛ لأنها تعبر عن مقادير مكتوبة ومحسومة".

 

وكان الشافعي قد قدم لحواره بهذه الكلمات: "الوطن كله صار على المحك، الثقافة والفكر تحديدًا في مهب الريح، جحافل التضييق والقولبة تزأر في عنف وكراهية (أي من الحركة الإسلامية)، المشهد شديد القتامة والريبة، الأمر إذن يحتاج إلى حكيم نستقطر من كلماته "روشتة الخلاص" و"نورًا يتقدمنا إلى ذلك النفق المظلم الذي استطال أكثر مما يجب، وفي هذا الظرف الضاغط فإن الحكمة والمرجعية يتجسدان في شخص أستاذنا محمد حسنين هيكل"، وهذا ما عاب عليه القاعود عندما كتب عن هيكل، ويدخل الكاتب في التيه الذي يروج له الإعلام الموجه (إعلام رجال أعمال مبارك الذي يبغي إجهاض الثورة) ولذا يردد العديد من الأكاذيب فيطلب من الدكتور حلمي القاعود أن يجيب على أسئلة طرحها إليه وهي نفس الأكاذيب والترهات التي يرددها الإعلام العلماني فيقول: أطلب من أستاذنا القاعود أن يجيب عن الأسئلة التالية: هل يرى فيمن قتلوا جنودنا في سيناء في رمضان الماضي جزءًا من الحركة الإسلامية؟ وهل يري فيمن يعلنون نيتهم تحطيم الأهرام وأبو الهول جزءًا من الحركة الإسلامية؟ وهل يرى فيمن يكفرون خصومهم جزءًا من الحركة الإسلامية؟ وهل يرى في كل من يحرمون كل أنواع الآداب والفنون جزءًا من الحركة الإسلامية؟ وهل يرى فيمن يحرمون تهنئة الأقباط بأعيادهم، ويعلنون أنهم سيدعون للإسلام على أبواب الكنائس جزءًا من الحركة الإسلامية؟ وهل يري فيمن يرفعون رايات التآمر والكذب لتحقيق بعض المكاسب السياسية جزءًا من الحركة الإسلامية؟ وهل يرى فيمن يطبقون حد الحرابة على الناس ويقتلون الشباب بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جزءًا من الحركة الإسلامية؟ فمثل هؤلاء ومن يسير على دربهم هم من وصفتهم في مقدمة حواري مع الأستاذ هيكل (جحافل التضييق والقولبة)، وصدمني أستاذنا القاعود بدفاعه عنهم وجعلهم (الحركة الإسلامية).

 

ومعظم هذه الأطروحات ثبت بالدليل كذبها وغرضها، فهل قام الإخوان والتيارات الإسلامية بقتل هؤلاء الجنود وما دليله على ذلك ولماذا لم يقدمه للنائب العام؟

 

وهب أن مجنونًا مغمورًا أراد الشهرة (استضافه إعلامي تعلم في مدرسة الإثارة وتربي على أيدي عادل حمودة وشرب منهجه) نادى بهدم الأهرام وأبو الهول، فليرجع الكاتب وهو باحث قبل أن يكون محررًا ويتصفح كتب التاريخ الإسلامي ومؤرخي مصر الإسلامية الذين أشادوا بالأهرامات، وبأبو الهول بدءً من: ابن عبد الحكم، وابن زولاق، والمسبحي، وابن الكندي، والمقريزي، وابن تغري بردي، والسيوطي، والنويري، وابن فضل الله العمري، وكذلك الرحالة والجغرافيون العرب مثل: ابن بطوطة، وابن جبير، وابن دقماق، وياقوت الحموي، وأبو الفداء، وغيرهم كثير، أما الوحيد الذي سبق فعله قوله فهو مرشدهم ومؤسس مذهبهم في مصر والعالم العربي "نابليون بونابرت"، الذي خاض معركة الأهرامات واعتدى على أبو الهول وسرق الآثار الفرعونية والعربية ونفائس الكتب، دون توجيه إدانة له، فلقد نادى راعيهم فاروق حسني قبل أكثر من عشرة أعوام بالاحتفال بمرور مائتي عام على قدم الحملة الفرنسية لمصر، ولم ينبس وقتها الشافعي ورفاقه ببنت شفه حول هذا الموضوع، وقد تصدى التيار الإسلامي لهذه المؤامرة وأجهض حدوثها.

 

أما حادث السويس الذي يقصده فلم يدن القضاء أي من التيارات الإسلامية وقالت الأجهزة الأمنية إن الذي نفذه هم البلطجية الذين تولاهم بالرعاية جهاز أمن الدولة المنحل، أما تهنئة الأقباط، فقلة قليلة جدًا التي تنكر هذا الأمر، فالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين لم تكن وليدة الأمس القريب، فهي متجذرة ولن تجدي معها المزايدة والمتجارة بها، أما تنفيذ حد الحرابة والأمر بالمعروف فلم يذكر لنا الكاتب حادثة جديرة بالذكر تؤيد ما قاله وما يشيعه قرنائه.

 

ثم يتحول الكاتب بعد ذلك ليسيء إلى القاعود وهو الذي ادعى بأنه أستاذه في عنوان مقاله فيقول: "أربأ بأستاذنا القاعود أن يكون مثل بعض كتبة النظام السابق والذين كانت كتاباتهم مجرد بلاغات إلى الأمن والسلطة فيمن يختلفون معهم في الرأي، فما كتبه الدكتور حلمي لا يمكن فهمه مع الأسف الشديد إلا في هذا الإطار المقيت والذي ظننا أننا تخلصنا منه إلى غير رجعة بعد ثورة 25 يناير."، هذا الصنف الذي يتكلم عنه كاتب المقال يعرفه هو جيدًا، وهو عليم بتدخل الأجهزة الأمنية في بلاط صاحبة الجلالة، لم يكن القاعود جزءًا من هؤلاء، فهو مستبعد من الكتابة في الصحف والمجلات التي تتبع وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للصحافة، فتلك المنابر كانت حكرًا على أتباع هنري كورييل، وأبناء الرائد موافي، وأبناء الحظيرة الثقافية التي تعهدها الوزير فاروق حسني، وكانت تطبع للأقزام الهذر الذي أضاع من قيمة مصر الأدبية والثقافية، وقد نال كاتب المقال نصيبًا من الغنائم في هذا المهرجان، وكانت كتبه تطبع في الثقافة الجماهيرية، وهيئة الكتاب، وكتاب الهلال وعدد من المنابر الأخرى، بينما القاعود بقامته الكبرى الذي كان ينشر في كل الدوريات العربية من المحيط إلى الخليج منذ أن كان طالبًا، وكان أساتذته في دار العلوم يغبطونه على شهرته، كان ممنوعًا من هذا، كما لم يعمل القاعود أيضًا مذيعًا في قنوات جمال مبارك ولجنة السياسات، ورجال أعماله ولم يقدم الشموع للجنرالات ليغدقوا عليه الهدايا والعطايا والأموال.

 

ثم يصل إلى الرخص واللدد في الخصومة وترديد الافتراءات فيزعم أن سبب نقد القاعود له ولأستاذه هيكل، رفضه لنشر مقالاته التي يرسلها للمجلة فقال: "سارعت بوأد خاطرة مرت على ذهني تلح على أن أستاذنا القاعود لم يكتب ما كتب إلا لأننا لم ننشر مقالاته الكثيرة التي أرسلها إلينا في مجلة "الهلال"، ورغم أنني سارعت بوأد هذه الخاطرة الشريرة، فإن الأمر يحتاج إلي بعض التوضيح.

 

فكل مقالات الدكتور حلمي التي أرسلها إلينا قيمة وتستحق النشر بكل تأكيد، لكن في رحلتنا الشاقة والمجهدة لاستعادة قارئ مجلة "الهلال" العريقة، اجتهدنا في تقديم مجموعة من الأعداد الخاصة؛ حيث يدور كل عدد حول موضوع واحد، ولأن أستاذنا القاعود يرسل مقالاته القيمة من دون اتفاق مسبق أو تكليف فلم نجد في هذه المقالات ما يتناسب مع موضوعات الأعداد الخاصة التي أصدرناها والتي نجحت في مضاعفة أرقام التوزيع عدة مرات.

 

ورغم صدمتي وتألمي مما كتبه أستاذنا القاعود فإن ذلك لم يغير شيئًا من احترامي وتقديري لشخصه ولكتاباته، وستظل صفحات "الهلال" فاتحة أحضانها لكل كتابات الدكتور حلمي القاعود، وقد نفى الدكتور حلمي القاعود ذلك في اتصال هاتفي معه هذه المزاعم؛ لأنه لم يفعل هذا مع صديقه ورفيق دربه عادل عبد الصمد وقت رئاسته لتحرير "الهلال"؛ حيث إن الأستاذ الشافعي لم يصدر من المجلة سوى بضع أعداد منذ أن تولى منصبه في زمن الإخوان في أغسطس الماضي.

---------------------------
abu_algamal@yahoo.com