منذ أسبوعين وأثناء عودتي من سفر سالكًا الطريق الدائري، وعند مطلع (ميت نما)، وقعت أمامي جريمة سرقة سيارة بالإكراه.. لقد فُزعت وأحسست بالعجز والمهانة لأنني لم أستطع أن أواجه الجناة الذين كانوا يشهرون أسلحتهم الآلية في وجه الضحية وفي وجوه غيره من المواطنين الذين اصطفوا بكثرة على جانب الطريق فيما يشبه الموقف العشوائي، ولم أملك إلا أن رددت: لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل.

 

لم تكد مشاهد تلك الجريمة تفارقني حتى قرأت تصريحًا لمصطفى مراد، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية يقترح فيه إلغاء محطة مترو حلوان؛ لفشل وزارة الداخلية في إبعاد الباعة الجائلين عنها، وقد أغلقوا- تمامًا- جميع الشوارع المؤدية إليها، ولم تفلح الوزارة سوى في إبعادهم عن الرصيف ومنعهم من التعدي على السائقين- الذي وقع بالفعل قبل تصريح مراد بأيام- وهذا بعد زيارة قام بها وزير الداخلية السابق، أحمد جمال الدين، استعطف خلالها هؤلاء الباعة، أثناء حواره معهم، طالبًا منهم ألا يقتربوا من القطارات، وأن يفعلوا ما يريدون خارج مبنى المحطة!!

 

هذان المشهدان وغيرهما من الحوادث التي باتت تتكرر هذه الأيام كل لحظة، يؤكدان أن تلك الوزارة السيادية غائبة عن المشهد، بل قل مغيبة بفعل فاعل، وهذا قدر مصر؛ إذ المفترض بعد الثورات والقلاقل أن تقوم هذه الوزارة بضبط الأمور، ومنع الانفلات والسيطرة على الجريمة، أما الحال عندنا فقد اختلف بشكل كبير؛ إذ الشرطة طرف رئيس مناهض للثورة، ذلك لأن الانقلاب الكبير الذي وقع بدءًا من يوم 25 يناير 2011م، كان في الحقيقة واقعًا على الداخلية التي كانت الركن الركين للنظام البائد، بل إن الفساد أول ما ظهر كان فيها، وقد وصل إلى درجة خطيرة، لم نستطع لذلك أن نطهر تلك الوزارة رغم مرور عامين على الثورة.

 

في اعتقادي أن الوزارة ليست عاجزة عن ضبط الأمن، فإن لديها الإمكانات العظيمة والقوات الكثيفة التي تسمح لها بعلاج أي خلل ومواجهة أي جريمة، مهما كان شأن مرتكبيها، أما عجزها الظاهر أمامنا والذي يبرره البعض بأنه خوف إنساني من جانب أفراد الشرطة على أرواحهم بسبب الانفلات وغياب القانون، فهذا عذر أقبح من ذنب، فمن يفعِّل القانون إن لم تفعِّله الشرطة، وماذا يفعل المواطن العادي إذا كان الشرطي قد تملكه الخوف وتردد في مواجهة الخارجين على القانون.

 

للأسف الشديد فإننا نفقد يومًا بعد يوم الأمن والأمان اللذين كانت تتمتع بهما مصر، بسبب تقاعس ضباط وزارة الداخلية، وامتناعهم عن القيام بدورهم في مواجهة الجريمة، وهذا أمر يجعلنا قريبين من حالة الفوضى العامة وغياب مؤسسات الدولة ونشوء (الميليشيات المسلحة) للقيام بالدور نفسه الذي تقوم به الشرطة، وقد رأينا إرهاصات هذه الفوضى في بعض المظاهر التي لا يخلو منها شارع من شوارع مصر هذه الأيام، فهناك عنف- من جانب الأفراد- غير مبرر، استتبعته الاستهانة بكرامة الناس ودمائهم، وهناك تعديات بالجملة على ملكية الدولة وتحد واضح للقانون، مثلما نراه الآن في ميدان التحرير، وفي الاتحادية وغيرها، بل رأيت بعيني الباعة الجائلين في شارع 26 يوليو بقلب القاهرة وهم يبنون حجرات لهم في قلب الشارع، وقد منعوا بذلك السيارات من المرور وعطلوا شريانًا من أهم شرايين القاهرة المرورية، ومع ذلك لم أر من يمنعهم من ارتكاب هذه الجريمة التي وقعت في وضح النهار.

 

ولا نتوقع نهضة، أو حتى خروجًا من المأزق الاقتصادي الراهن، قبل إصلاح وزارة الداخلية، وعودة الأمن إلى شوارع ونواحي مصر، فإنه لا نهضة إلا بالأمن، ولا استقرار إلا بالضرب على يد المنحرفين ومنتهكي القانون، ومن ثم فلا بد من تركيز جهود الإصلاح حول هذه الوزارة، وتطهير صفوفها من المعادين للثورة، كما لا بد من محاسبة كل مقصر في عمله؛ لأن التقصير في هذا القطاع لا يطال المقصر وحده، إنما يتخطى ضرره الآخرين إن لم يكن المجتمع بكامله.

 

إن التغيير الذي تم على وزير الداخلية في التشكيل الوزاري الأخير، يعطينا الأمل في تعافي الوزارة، وفي قرب التخلص من بعض عناصرها المتحالفة مع الفلول والمعادين للنظام الجديد.. أدرك أن المهمة صعبة، وسوف تحتاج وقتًا، لكننا واثقون أن الباطل زاهق، وأنه لا قدم له، والناس إذا ما شعروا ببعض التحسن في الجانب الأمني فهذا يكفيهم عربونًا لعودة الثقة بينهم وبين الشرطة والتي انهارت على مدار عقود، وزاد انهيارها في العامين الماضيين بعد تأكد الجميع أن كثيرًا من ضباط الداخلية وأفرادها يعملون ضد مصالح الشعب.

 

نحن لا نطلب- الآن- سوى الحد الأدنى من واجبات الشرطة؛ لأن الحديث عن العلل والأمراض والجرائم التي طفح بها المجتمع بسبب التراخي الأمني يجلب الهمّ والغم.. نريد أولاً إصلاح تلك الوزارة من داخلها وتطهيرها من (الثعابين الكبار) الذين يتولون قيادات بعض إداراتها.. وأجزم: أنه لو صلحت تلك الوزارة لصلح البلد كله.

-------------------------
  
amer.shamakh@yahoo.com