إقرار قانون انتخابات مجلس النواب الجديد من مجلس الشورى هذا الأسبوع، ثم إحالته إلى المحكمة الدستورية سريعًا لتطبيق مبدأ الرقابة السابقة على قوانين الانتخابات، معناه أن أمامنا حوالي شهر ونصف كي تبدأ الإجراءات الفعلية للانتخابات، وهي خطوة مهمة نستكمل بها بناء المؤسسة التشريعية.
وأعتقد أن مجلس النواب المقبل هو أهم مجلس تشريعي تختاره مصر بعد إقرار الدستور الجديد؛ لأنه يضع أسس إصلاح وتعديل المنظومة التشريعية والقانونية الحالية وفقًا لنصوص وأحكام الدستور الجديد، بما يُساهم في مساعدة السلطة التنفيذية على القيام بدورها والوفاء باحتياجات المواطن وتحسين مستوى المعيشة، وتحقيق الأمن وحل مشاكل التموين والوقود والمرور وغيرها، واستكمال تحقيق أهداف ثورة يناير، في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والشعور بالاستقرار.
ومن الطبيعي أن تتنافس الأحزاب والتيارات السياسية على اختلاف توجهاتها، لإقناع الشعب باختيار رموزها ومرشحيها في الانتخابات، ومن الواضح أيضًا أننا أمام تيارين أساسيين: الأول هو التيار ذو المرجعية الإسلامية بأطيافه المختلفة، من إخوان وسلفيين وما حولهما، وهو تيار متجانس إلى حدٍّ ما، والآخر هو التيار ذو المرجعية العلمانية بأطيافه المختلفة أيضًا، التي تبدأ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وهو تيار غير متجانس بالمرة ولا يحظى بأرضية تُذكر في الشارع.
وسوف تكشف الانتخابات المقبلة الحجم الحقيقي للقوى السياسية في مصر، وهي فرصة لنعرف جميعًا أوزان هذه القوى السياسية الموجودة على الساحة، والأوزان النسبية مهمة عند إبداء الآراء والمواقف وتقييمها والتفاعل معها، بدلاً من فوضى الحديث الآن باسم الشعب في برامج (التوك شو) على الفضائيات، بينما لا يكاد يمثل بعض هؤلاء المتحدثين إلا أنفسهم فقط! وبالطبع فإن الحزب الذي يفوز بالأغلبية البرلمانية، هو الذي يتم تكليفه طبقًا للدستور بتشكيل الحكومة المقبلة.
وأعتقد أن مصر في حاجةٍ إلى حزبٍ سياسي قوي، يدير الدولة برؤية علمية وواقعية واضحة، ويؤسس لبناء وانطلاق مشروع النهضة، ويقود الوطن إلى الوضع الطبيعي الذي يستحقه بين الأمم، ويطبق الدستور والقانون على الجميع بجدية وحزم، ويعمل من أجل رعاية مصالح الشعب، كما أعتقد أن مصر في حاجة أيضًا إلى معارضة قوية تمتلك رؤية مغايرة، وتواجه الحزب الحاكم بقوة الحجة ووضوح المنطق، والمعارضة القوية هي التي تصنع حكومة يقظة وقوية.
المعارضة الحقيقية هي التي تصنع لنفسها هدفًا سياسيًّا واضحًا، وتنزل إلى رجل الشارع في كل مكان، لتقنعه بما ترى من أفكار وبرامج ورموز، حتى يصبح لها عدد كبير من أعضاء البرلمان، يمكنها من خلالهم إظهار أخطاء وضعف وتراخي الحكومة في حلِّ مشكلات الشعب، ولا شك في أن المعارضة الموضوعية سوف تنجح في كسب ثقة الناس، وتلك هي نقطة البداية الحقيقية لتداول السلطة، ويصبح المواطن المصري هو المستفيد الأول من الديمقراطية وليس قادة الأحزاب وحدهم.
إن حديث بعض السياسيين من الآن عن احتمالات تزوير الانتخابات المقبلة،وتخويف الناس من شفافية العملية الديمقراطية، وبالتالي إشاعة عدم احترام النتائج التي يمكن أن تسفر عنها، بعد أن تقوم الجهات المستقلة بالتأكيد على نزاهتها وشفافيتها، هو دليل فشل أصحاب هذه المزاعم في العمل السياسي، والباب لا يزال مفتوحًا لمَن يريد الوصول إلى الناس بصدق، ومحاولة إقناعها بالتصويت لمرشحيه وتبني برنامجه السياسي.
مصر الآن مقبلة على مرحلة أفضل، بعد استكمال بناء مؤسسات الدولة، وهي مرحلة يشعر فيها المواطن البسيط بقدر أكبر من التغيير الإيجابي وتحسن في مستوي المعيشة، وأعتقد أننا أوشكنا بإذن الله على مغادرة نفق الأزمة، إلى ساحة الاستقرار والنهضة.
---------------