الْخَرْص هو الظن والتقدير الْجُزَاف الذي لا يقوم على ميزان دقيق، والْخَرَّاص صيغة مبالغة  تَعْنِي الأفاك الكذاب الذي يبالغ في باطله ويتاجر فيه ، والْخَرَّاصُون لهم سمات يعرفون بها، منها: - أَنَّهم يعيشون في أوهام وظنون، لا يستندون فيما يدعون إلى حق أو يقين، يَكْذِبون و يَكْذِبون وفي كل مرة تُدق لكل كِذْبَةٍ الطبول، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ أخرى مِنْ عند أَنْفُسِهم، سَيْلٌ من الاِدعاءات والأباطيل، تتكرر هِيَ هِيَ في كل موقف ولكن في ثوب جديد. 

 

 - ومِنْ سماتهم أَنَّهم لا يجتمعون إلا لينصرفوا ويتفرقوا بعد حين، ويَدِبُّ الخلاف بينهم والشقاق، بعد أَنْ يوقنوا أَنَّ محاولاتهم باءت بالفشل و أَنَّ رصيدهم من المؤامرات كاد أَنْ ينفد.

 

-كما أَنَّ مِنْ سماتهم أَنَّهم يتأرجحون ولا يفيئون إلى أصلٍ ثابت ولا ميزان دقيق، كأنهم يقفون على أرض مرجرجة مهتزة ، يحركهم الهوى و تَؤُزُّهُمْ شياطين الإنس والجن- في الداخل والخارج– أَزًّا، كما أَنَّهم جميعًا في قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، بين مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ، ومُثْبِتُ ونافٍ لموقف واحد وقضية واحدة، وهكذا الباطل دائمًا رجرج أمَّا الحق فواضح أَبْلَج.

 

- إِنَّهم يرون الأشياء بمنظار أسود، فأَعْيُنهمْ لا تقع إِلاَّ على النقائص، وهم يعانون من تقلُّب المزاج، كما أَنَّ لديهم قلقًا غامضًا ورفضًا للحياة المستقيمة، فالبلاد بعدهم قد خلت من الأخيار والأوضاع بدونهم سائرة إلى الْانهيار والبوار.

 

- والْخَرَّاصُون يجهلون الجهل الكامل الشامل- وإِنْ ادعوا أَنَّهم أهل التنوير والحداثة والعقل المطلق الذي لا تحده حدود!

 

- الجهل من الجهالة ضد المعرفة، فهم يهاجمون دون أنْ يقرأوا أو يطلعوا، فضلاً عنْ أنْ يدرسوا ويعقلوا، والجهل من الحماقة ضد العقل، فتراهم يرفضون لغة الحوار والمنطق، بل ويعجزون عن إِثبات صحة نقدهم وبراءته من الأغلاط والغايات الرخيصة، وإِذا ما عُرِضَتْ عليهم الحجة تلو الحجة والبرهان تلو البرهان فإِذاهم يردون بالتهديد والوعيد، وكلما فضحهم ظهور الحق وعُلُوِّهِ ، شَوَّشوا عليه وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى باطلكم، فالنصر آتٍ لا محالة!! وهذا ما لا يحسنه إِلاَّ المبطلون! والحقيقة أَنَّ ما شاهدناه وما زلنا نشاهده ونسمعه لا ينبعث إلا ممن تشبع بالجهالة والحمق إلى أبعد الحدود.

 

- والْخَرَّاصُون مغمورون بالأضاليل والأوهام لا يفيقون ولا يستيقظون، فهم لا يشعرون بشيء مما حولهم كأنهم سكارى مذهولون! لا يتبينون الأمر الواضح، الذي يراه ويوقن به كل واع غير مذهول! بأَنَّ الثورة قد قامت وأَنَّ التطهير حتم لازم، وأَنَّ الحليم يغضب ويغار على دولته أنْ يعبث بها متهور أو مأجور، وأَنَّه قد أُسْدل الستار إِلى الأبد على مشهد الفرعون الطاغية المتجبر، بعد أَنْ جعله الله عبرة للمعتبرين، وأَنَّ على الضفة الأخرى يوجد شعب، قام مَن وهدته وأفاق من غفوته بعد أَنْ سَلَبَهُ الطواغيت أعز ما يملك: الحرية التي فطر الله الناس عليها.

 

- إِنَّ الرئيس مرسي- وفقه الله- لا يواجه اليوم مبارك وعشيرته فقد انتهت المعركة معهم، ولكنه يواجه معركة أخرى- لعلها أشد وأقسى وأطول أمدًا- معركة مع قلة تواجه الحرية بكل رواسب الذل، قلة فسدت نفوسهم والتوت فطرتهم وانحرفت تصوراتهم وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر، وهما جانبان متلازمان لمن استمرأ حياة الذل تحت قهر الفرعون! بل واستعذبها حين كان منتهى أمله أَنْ يفوز بنظرة حانية ماكرة يجود بها سيده المتبوع المطاع.

 

- إِنَّ الْخَرَّاصين يكرهون أَنْ يعيش الناس في ولاية مرسي أعزاء كرماء،كما يكرهون أَنْ يسير فيهم سيرة العدول الثقات من أمثال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي كان يقول لعماله على الأمصار، موصيًا لهم بالناس: "ولا تضربوا أبشارهم - أي وجوههم وأجسادهم - فتُذِلوهم ".

 

- ليس فيما سبق مصادرة للمعارضة، إِذْ لا يُتصور وجود بقعة على ألأرض دونها، فهي من لوازم الابتلاء ومُكَمِّلَاتِهِ، والذي خلق الكون أراده قائمًا على التنوع والاختلاف، ولا يَحِلُّ لِإِنْسَانٍ- أَيًّا كان منصبه- أَنْ يستخدم منطق فرعون الغاشم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ)، فالخالق وحده هو الذي لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ أَمَّا ما عداه فيُسْأَلُونَ.

 

- غير أَنَّ فارقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين المعارضة الشريفة وبين اتِّباعَ الظَّنِّ وما تهوى الأنفس، فرق بين الناصح الأمين الذي يهدف إِلى الصلاح والإِصلاح وبين الْخَرَّاص الأثيم الذي يهدف إِلى التشهير والتهييج والإِفساد، فالمعارضة الشريفة تلك التي تنتقد للبناء لا للهدم، تتنتقد بأدب وعلم وموضوعية وحرص على مصلحة الأمة، لا تلك التي تمكر الليل والنهار بُغْية أَنْ يتحول المجتمع بِرُمَّتِهِ إلى مَسْبعَة متهارجة.

 

- إِنَّ الأمل في أَنْ يَقِف الْخَرَّاصون موقف الصادق الْجَادِّ الذي يراجع نفسه ويُقَوِّمُ اعوجاجه أمل ضعيف إِنْ لَمْ يكن معدومًا، فالْهُوَّةُ بينهم وبين الحق في اتساع دائم، وإِنَّما يلجأ أولئك المحرومون من التوفيق إِلى استخدام كل أساليب الكذب والمراوغة والتضليل لردم تلك الفجوة، وما هم بمستطيعين، فالْهُوَّةُ في كل محاولة تتسع لا تضيق، وهذا هو الخذلان بعينه، المشار إليه في الذكر الحكيم بقوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، والمرض هنا عِبَارَةٌ مُسْتَعَارَةٌ للفساد الذي في صدورهم، وَالْمَعْنَى: قُلُوبُهُمْ مَرْضَى لِخُلُوِّهَا عن الْعِصْمَةِ والتوفيق وَالرِّعَاية وَالتَّأْييد، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا: أَيْ وَكَلَهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَجَمَعَ عليهم حب الدُّنيا وشهوة الشهرة فَلَمْ يَتَفَرَّغُوا إِلى اهْتِمَامٍ بالحق والدِّين.

 

- إِنَّ متاعب الرئيس مرسي- وفقه الله- في المحاولة الضخمة التي يحاولها وثقل التركة التي أُورِثهَا، هي متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوسًا طال عليها الأمد، وإنَّ جهده- في مثل هذه الحال- لهو جهد مضاعف، ومِنْ ثَمَّ يجب أَنْ يكون صبره مضاعفًا كذلك، والشعب من ورائه بالتأييد والنُّصْرَةِ والْحَيْطَةِ والحذر وسهام الليل التي لا تخيب، فالأحداث لا تجري مصادفةً كما يظن الغافلون! والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، اللهم احفظ مصر من كيد الْخَرَّاصين وَقِنا شَرَّهُمْ، آمين.

 

---------

* باحث في مقاصد الشريعة