أسلفنا القول في مقالات سابقة إن "العلمانية المصرية" تعتمد على أسلوب (ترسيخ الأكاذيب) حتى تصبح هذه الأكاذيب حقائق في الثقافة المتداولة للعامة.
ولفت نظرنا في الأزمة (المفتعلة) حول الدستور أن القاعدة السياسية التي يروجون لها هي "انقسام الشعب المصري"، ومن هنا فإنهم يردون بذلك على من اتهمهم برفض "الديمقراطية"، والنكوص عن "الاحتكام للصندوق"؛ ذلك لأن (الشعب المنقسم) ينبغي إرضاؤه أولاً عبر التوافق الكامل ثم إدارة عجلة "الديمقراطية"، وإلا فإن التصرفات العنيفة والفوضوية تصبح مبررة!!، وبنفس المنطق يبررون تطاولهم وامتهانهم لمقام "الرئاسة" بزعم عدم سعي "الرئيس" إلى (التوافق)، وأن قراراته كانت مدعاة لما أسموه "الانقسام الوطني".
والحقيقة، ورغم أننا من المنحازين إلى تقييم الموقف السياسي باعتباره مشهدًا لفرقعات وقنابل دخان أكثر منه مشهدًا لحالة سياسية متفجرة، بمعني أننا لا نرى أي خطورة على "الشرعية" من هؤلاء المعارضين، وأن جدارها ما زال متينًا لأنها شُيدت على قواعد شعبية تحميها حتى في غياب الحماية العسكرية والشرطية!
ورغم كل هذه التداعيات فإن الخيط الذي أراه خطيرًا هو تدشين أكذوبة (الانقسام) التي شاعت باعتبارها (مُسلّمة)، حتى أصبح يرددها بعض الإسلاميين تأثرًا بالزيف الإعلامي والتظاهرات الصاخبة واعتصامات الخيام الخاوية.
والحقيقة أنه ليست هنالك بادرة واقعية واحدة تشهد بوجود انقسام شعبي.
فالانقسام المعلوم في العلم السياسي هو المرتبط باختلافات تاريخية جذرية في التكوين الشعبي، وحين تحمي هذه الاختلافات "قوى" أو "ميليشيات" أو "ثقافات" متباينة تباينًا حادًا يستحيل معها الاندماج، وهذا كما هو الحادث في "لبنان"؛ حيث تختلف الملل وتحمي الميليشيات هذا الاختلاف، أو كما في "كندا"؛ حيث إقليم (كيبك الفرنسي) المستقل ثقافيًّا تمامًا عن الإقليم الإنجليزي.
والسؤال هنا: وما خطورة الترويج لفكرة الانقسام الوطني؟
الإجابة هي أن الانقسام بأشكاله المتعددة لا يصلح له (الديمقراطية الكاملة) بمفهومها المعروف وإنما ينبغي تركها والانتقال إلى عالم "الديمقراطية التوافقية" أو "ديمقراطية المحاصصة".
والشعوب المتجانسة (ثقافيًّا) والتي لها (جيش وطني واحد) هي شعوب صالحة تمامًا لممارسة الديمقراطية بأبهى صورها، و"مصر" نموذج مثالي لهذه الدول المتوحدة ثقافيًّا وجغرافيًّا ولم تعرف التشرذم الجغرافي ولا العسكري ولا الميليشيات الحامية لعرق أو لفصيل سياسي أو ديني.
ورغم هذا، فإن الفشل واليأس "العلماني" من تكوين قواعد شعبية تضمن لها البقاء المؤثر في السلطة، دفعها إلى محاولة تغيير جذري في (النظام) بحيث يصبح "ديمقراطيًّا توافقيًّا" وليس "ديمقراطيًّا نيابيًّا".
ومعلوم أن "الديمقراطية التوافقية" نشأت بعد "الحرب العالمية الثانية" في بلاد أوروبية لديها مشكلات حادة في الهوية الثقافية والعرقية، مثل الحال في (بلجيكا وهولندا وسويسرا والنمسا)؛ حتى أصبح النظام السويسري (على سبيل المثال) هو اتحاد فيدرالي ثابت الشكل يتألف من سبعة أعضاء يمثلون الأحزاب الرئيسية بواقع عضو من "حزب الفلاحين" وعضوين لكل من "الكاثوليك" و"الراديكاليين" و"الاشتراكيين".
ولأن المشكلة كانت أوروبية بالأساس فسنرى أن المُنظّر الأول لها هو المفكر الهولندي "آرنت لينهارت" الذي اعتبر أن مرتكزات "الديمقراطية التوافقية" أربعة وهي:
1- تحالفات حكومية تشمل الأغلبية والأقليات.
2- اعتماد مبدأ التمثيل النسبي للفصائل الوطنية المتنازعة.
3- اعتماد مبدأ "الفيتو" المتبادل بين الأكثرية والأقلية.
4- اعتماد مبدأ الإدارة الذاتية للشئون الخاصة بكل فصيل.
وكما ترى فإن "الديمقراطية التوافقية" ليست "ديمقراطية" بالمعنى العلمي، وإنما هي "إجراء سياسي" لحل نزاعات شعبية عميقة لا يريد أحد أن يتم حلها بالسلاح.
أما أصدقاؤنا العلمانيون فإنهم يسيرون في عكس اتجاه المنطق والواقع السياسي، في ذكاء سياسي نادر يستحق التحية والإعجاب، بل الاندهاش!!
وذلك أنهم لما لم يجدوا مشكلة عرقية أو دينية أو ميليشيات متعددة، لما لم يجدوا ذلك استدعوا "الديمقراطية التوافقية" لتخلق واقعًا سياسيًّا متحاربًا هو في الواقع غير موجود؛ أملاً منهم في تحويل الاختلاف الإنساني الطبيعي إلى احتراب شعبي، ولأن الطبيعة المصرية لن تخدمهم فلم يكن أمامهم إلا (التخييل الإعلامي) بوجود هذه الحرب الافتراضية!!...أو لمحاولة إنتاجها!!
ومن قبيل الاستهزاء بالعقول أن نجدهم يصفون نسبة التصويت (57%: 43%)بأنها دلالة هذا الانقسام، أو أن المظاهرات المؤيدة ونظيرتها المعارضة، اعتبروا أن هذا معناه "الانقسام" الذي يدعو (للتوافق) أو(للمحاصصة)، وبالتالي يجد الباحث السياسي نفسه دائخًا وهو يتساءل إن كان التباين في الرأي "انقسامًا" فما هي "الديمقراطية" إذن؟!...... إذ من المعلوم من السياسة بالضرورة أن "الديمقراطية" هي أداه إدارة (الاختلاف) عبر الحوار والصناديق بأسلوب سلمي.
ومهما اشتد الخلاف من فصيل أو آخر ولم يرتقِ إلى الاستقلال جغرافيًّا أو الاحتماء "بميليشيا" عسكرية خاصة، فإن هذا الاختلاف يظل دائرًا في الإطار "الديمقراطي".
أذكياء- إذن- أصحابنا العلمانيون، ولا أظن أن هذا الذكاء (فطري) أو بسبب (عمق الثقافة)، ولكن المؤكد أنه بسبب الاستعانة بصديق من خارج الحدود.
ومن هنا فإننا نرجو ألا تسحرنا هذه الإلحاحات الإعلامية بتصوير المعترضين بشدة والمؤيدين بشدة، والانسياق إلى اعتبار هذا (انقسامًا وطنيًّا) حقيقيًّا، ولكن علينا أن نضعه في إطاره الصحيح باعتباره اختلافًا.....مجرد اختلاف، ونحن هنا نتحدث عن المختلفين الوطنيين بكل أوصافهم السياسية والوطنية.
أما ما يصنعه "العلمانيون" من الاصطفاف مع النظام السابق، واعتماد (سياسات عنف) مرفوضة، والاتكاء على (إعلام منحاز)، فكل هذه محاولات لكسب معركة خاسرة تمامًا بالنسبة لهم، وسيدرك الجميع بعد فترة أن الحادث على الأرض هو "انشقاق علماني" عن العملية الديمقراطية وعن الصف الوطني، وليس "انقسامًا وطنيًّا" كما يرددون...أو ....كما يتمنون.
--------------------------------------