طلعت علينا هذه الفرقة، وأطلقت على نفسها "جبهة الإنقاذ الوطني" وما هي إلا إفلاس وطني وإنقاص وطني وإن أصروا على إنقاذ؛ فهم إنقاذ ربما، ولكن إنقاذ الحزب الوطني المنحل؛ وذلك حين يشيب الغراب، لقد وقفت تلك الفرقة أمام التقدم كما يقف الشيطان الرجيم للرجل الصالح؛ ليُفسد عليه عمله، فمنذ أن نجح الرئيس مرسي واختاره الشعب؛ وكأنَّ إبليس أُخرج من الجنة، وبات يدبر ليل نهار لبني آدم، يضعون في كل طريق شوكًا وعقبات، ويرسمون للشعب أسوأ رسومات، تارة يلعبون بعقول القضاة، وتارة بعقول الشرطة، وتارات بالإعلام، وكأن جنود إبليس يتحامى بعضهم ببعض، كانوا يتمسكون بالنائب العام السابق تمسك الوليد بجلباب أمه حتى لا يضيع، إلى أن جاء الدستور الذي يقضي على الأخضر واليابس فيهم.

 

أوحى الشيطان إلى أوليائه في جبهة الإنقاص الوطني؛ فحشدوا كل أوراق المجتمع الفاسدة، ووضعوها في خيام المهملات في ميدان التحرير، وكأني بتلك الخيام منصوبة يئن التحرير من تحتها بعد أن كان طهورًا تقام فيه الصلوات، بات حانة من حانات المجون والبغاء، لتهتف تلك الأفواه الخربة بسقوط الدستور، وهكذا يهتف الباطل وينعق على مر التاريخ، ولكنه سرعان ما يبهت وتزول آثاره؛ لأن اللسان الناطق لو لم يتصل بقلب صادق لم تأتِ كلماته بثمارها، وستموت على شفاه أصحابها.

 

زعموا أنهم غير مسجلين في قائمة واضعي الدستور، وحين وضعنا بعضهم تنصل من المسئولية، وانسحب؛ لأنَّ الخطة التي ينفذها ليس من ضمنها استقرار مصر، كان لهذه الجبهة وجهة نظر في المحافظات، سيطروا على المحافظات التي تتسم بالتجارة أو السياحة أو بالأقرب التي تبحث عن المصالح الخاصة لا العامة، ونسوا أن الشعب المصري قد تغبره المصالح، لكنها لا تغير ملامحه الأصيلة، نسوا أن أقاليم مصر قد تختلف لكنها لا تستقل، نسوا أن الوجوه قد تتنوع لكن اللسان واحد والهدف واحد.

 

جاءت محافظات الحضارة الفرعونية بأعلى الأرقام فقد جاء الصعيد بقده وقديده يمحو كل معالم الفوضى، ويخط في تاريخ الحضارة القادمة أول سطورها، كما خط في تاريخ الحضارة القديمة من قبل، إن الفطرة النقية تلزم صاحبها السير في الطريق السليم، إن القرى البعيدة التي تصلي الفجر كأنه العصر وتدب فيها الحياة قبل المدن المتحضرة هي التي ستبني مصر الجديدة، مصر الحضارة، إن الملك "مينا" موحد القطرين خرج من إحدى قرى سوهاج، ليوضح للعالم أن الخير في الأخيار، وليس في التجار، إن البلاد التي تتاجر بتراب أهلها هي شر بقاع الأرض، إن البلاد التي تتلقف الأموال لتغير شهادتها وأصواتها؛ بلاد لا ترقى إلى أن تكون في صفوف الشرفاء، إن البلاد التي ما زالت تُقبِّل نعال الفلول من النظام السابق؛ بلاد ما زالت ترفل في ثوب العبودية، إن البلاد التي يسيطر عليها الإعلام؛ بلاد تهرول خلف كل ناعق لا تثبت على رأي وتصفق أيديها في النهاية للفريق الفائز؛ وليس على هذه الأيدي تقوم الأمم.

 

أما القضاة الذين كانوا يجبرون المواطنين على التصويت بـ"لا" قضاة توريث حكم وضمائر خربة، إن القاضي الذي أخذ مهنته سبيلاً للنصب والسطو على أملاك الغير هو مرض يسري في جسد العدالة، وكسر في ميزانها.

 

شرفت محافظة سوهاج في الجولة الأولى أن تكون المحافظة الأكبر نسبة في الموافقة على الدستور؛ لست أدري لأنها بلاد "مينا" الذي وحد المتناقضين، أم أنها بلاد علماء الأزهر الشريف والقراء والكتاب والشعراء، أم أن الفطرة السليمة ما زالت تنبع في الصعيد كله وفي قرية "المندرة" التي أرادوا أن يتاجروا بدماء أطفالها، كما نبعت كذلك في سيناء وشهامة العرب!! لعل كل ذلك هو الدافع وراء الاستقرار؛ لأن الحضارة وأهل الحضارة لا يعرفون غير الاستقرار، أما الفتن وأهل الفتن؛ فلا ينامون إلا على سيف الغدر وتحت دروع النفاق.

 

ولأن مصر بلد الحضارة لا الفتن، فإن ما بقي من محافظات أبشروا سيأتي بخير وافر، وتتنافس في الأرقام الكبرى، وتأتي أصوات الخارج لتترجم عن حب مصر في قلب أبنائها الغائبين.

 

وأخيرًا إن لكل مرحلة انتقالية شدائد وعقبات، ولا نستبعد تتويج شهداء وقتلى وجرحى، وتسقط أقنعة وأقنعة، ويظهر الخبيث من الطيب، ولا ننس أن حروب الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أخذت كثيرًا من حفظة القرآن شهداء، لكنها قعَّدت لدولة الإسلام، وأرست أعمدة الخلافة الإسلامية رغم أنف المنافقين والكافرين؛ لذلك فإن في المجتمعات من يؤمن ببعض الدين ويكفر ببعض، ومنهم من يترقب سقوط القدوة الحسنة؛ فيسرق الشرعية والشريعة؛ ثم يمزق أطرافها، كالطفل الذي يبكي على جلباب أبيه، فلا الجلباب سيصغر ليوافقه، ولا جسده الصغير سيتمدد فورًا ليرضيه، ولكن هي العقول والأهواء تقود أصحابها، فاصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون.

-------------------

بمدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج                           
Yaziid82@yahoo.com