يرى بعض إخواننا الذين لا نشك في وطنيتهم أن رفض مشروع الدستور هو الأفضل لمصر؛ لأنه ليس محل إجماع من كل المصريين، ولأن هناك قرابة عشرين مادة من مواد المشروع المستفتى عليه كان ينبغي أن تكون صياغتها على نحو أفضل من الصورة التي خرجت عليها، ولهؤلاء ولجميع المخلصين أقول:
أولاً: لم يُجْمع البشر على شيء من الأشياء أو فكرة من الأفكار؛ حتى الإيمان بالله والمرسلين شذ فيه بعض الخلائق؛ فأنكروا وجود الله تعالى وكذبوا برسله الكرام، فالإصرار على أنه يجب أن يكون الدستور محل إجماع يعني من الناحية العملية عدم الوصول إلى دستور أصلاً؛ لأنه معلق على أمر مستحيل، ولا أظنكم تَرضَوْن هذا، أو تطمعون في الوصول إليه؛ لبدهية لا تخفى على عاقل، وهي أن بلدًا بلا دستور يعني بلدًا بلا عنوان ولا نظام، ومن يراجع الوثيقة النبوية التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، والتي تعتبر أول دستور بشري كامل في التاريخ سيجد أنها تضمنت نصوصًا لا يمكن لعاقل أن يقول: إنها كانت محل إجماع من كل المقيمين بالمدينة من اليهود والمنافقين والمشركين، مثل النص الذي يقول: إن أي خلاف بين أهل هذه الصحيفة مرده إلى الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهل كان اليهود راضين عن هذه المادة؟ أم أنهم استسلموا لحكمها؟ باعتبار أنها موقف الأغلبية، وأن نصوص الصحيفة تضمن لهم حريتهم الدينية وحقوق المواطنة في الدولة.
ثانيًا: إذا وافقتكم على رفض المشروع الدستوري الحالي بسبب ما ترونه فيه من اشتماله على ما يقرب من عشرين مادة تعتقدون أن الأفضل صياغتها على نحو آخر، وإذا افترضنا أن غالبية الشعب وافقكم على هذا، فأرجو أن تضعوا في حسبانكم أن المشروع الذي سيقدمه أي مائة إنسان آخرين، ولو كانوا أعظم العباقرة في مصر لا يمكن أن يأتي خاليًّا أو سالمًا من النقص والخلل، والقول بغير هذا يعني أننا افترضنا العصمة في أشخاص غير النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فسينطلق غيركم في الاستفتاء القادم بنفس المنطلق الذي تنطلقون منه الآن، وسيحذّرون الناس من الموافقة على المشروع الجديد؛ لأنهم يرون خللاً في المادة كذا وكذا، كما تفعلون أنتم مع المشروع الحالي، وبالتالي سنظل ندور في ذات الحلقة، أنتم تدعون الناس للموافقة عليه، وغيركم يدعوهم إلى رفضه، وتستمر البلد بلا دستور أيضًا!!
ثالثًا: ما هو السيناريو الذي ستصير إليه الأمور إذا رفض الشعب المشروع الحالي؟
يختار الشعب مائة عضو يقومون بإعداد مشروع جديد، وأنبهكم هنا على أن المتوقع بنسبة كبيرة جدًا أن يحصل التيار الإسلامي من هذه المائة على ما لا يقل عن واحد وخمسين بالمائة، وساعتها! يمكنه أن يضع الدستور الذي يراه، ولو كان معاكسًا تمامًا لكل ما ترجونه، ولن تستطيعوا ساعتها أن تعترضوا على هذا؛ لأنهم أتوا باختيار الشعب، وحتى لو رفض التسعة والأربعين بالمائة النصوص التي سيقدمها هذا التيار، أو حتى انسحبوا من الجمعية التأسيسية الجديدة فلا قيمة لرفضهم ولا لانسحابهم؛ لأن طريقة عمل الجمعية الجديدة ونظامها سيحدده الواحد وخمسون بالمائة، وأرجو أن تلتفتوا تمامًا إلى أن الجمعية السابقة ألزمتها القوى السياسية أثناء مفاوضات تشكيلها بين الأحزاب والمجلس العسكري بأن تكون نسبة التصويت فيها بالثلثين ( 67% وعند عدم الوصول إلى هذه النسبة تكون النسبة 57%) أما الجمعية الجديدة فهي التي ستحدد طريقة عملها ولا سلطان لأحد عليها، والأغلبية فيها ولو كانت بسيطة (51%) ستفرض على الأقلية ما تراه، وبالتالي فمسايرتكم في رفض المشروع الحالي يعني أننا أمام مستقبل مليء بالصراع أكثر بكثير مما عليه الآن؛ الأمر الذي لا يتصور معه التوافق على تسعين بالمائة من مواد الدستور كما هو الحال في المشروع الحالي، بل أقطع أنه لا يتصور إتمام دستور أصلاً!! ومن السذاجة افتراض أن المائة عضو الذين سينتخبهم الشعب سيكونون متجردين من كل الميول الحزبية أو الأفكار الأيديولوجية، بل المقطوع به أن كل واحد منهم سيتمسك بمنهجه؛ باعتبار أن اختيار الناس له يعني موافقتهم ورضاءهم عن هذا المنهج، وبالتالي!! سنظل ندور في هذه الحلقة، فهل توافقون على دخول البلد في هذه المتاهة؛ استنادًا إلى أن لديكم تحفظات على مشروع الدستور الحالي؛ حتى ولو كانت تحفظات سليمة مائة في المائة؟
رابعًا: الموافقة على المشروع الحالي تعني التقدم خطوة للأمام نحو بناء مؤسسات الدولة التي لا يتصور حصول تنمية ولا استثمار ولا سياحة من غيرها (برلمان- حكومة مسئولة صاحبة برنامج تُسْأَل عنه أمام الرئيس وأمام الشعب- محليات) وأنتم تعلمون أن أي مستثمر يحتاج إلى التعرف على وسائل الحماية القانونية لأمواله، وهذه لا يمكن الاعتماد فيها على اتفاقات مع شخص، ولو كان رئيس الدولة؛ لأن المضاربة بالمال حينها سيكون مصيرها مربوطًا بشخص قد يموت أو يمرض أو يقتل أو يحدث عليه انقلاب، ومثل هذا لا يقبله عاقل، فضلاً عن مستثمر يبتغي الربح، أما الاستثمار المستند إلى اتفاقات مع نواب الشعب فهو استثمار مضمون الحماية بالاحتماء بالشعب نفسه ممثلاً في نوابه، والشعوب أبقى من حكامها كما هو معلوم!!
وأخيرًا!! أرجوكم باسم الإسلام وباسم الوطنية وباسم الأخوة الصادقة وباسم الرغبة المشتركة في رؤية مصر المستقرة العامرة بالأمن والإيمان.
ولا يقال: إنكم دعوتم الناس للتصويت بـ "نعم" في استفتاء مارس استنادًا على الرغبة في الاستقرار، وهذه هي نفس الحجة التي تستندون إليها الآن، والجواب بإخلاص أن أقول:
إن هناك فارقًا شاسعًا بين الأمرين؛ لأن التعامل ساعتها مع سلطة عسكرية لا تقبل بطبيعتها أن يفرض عليها أحد شيئًا أو تتنازل عن شيء، فالعسكري إما منتصر وإما مهزوم، وحتى لو تراجع للخلف قليلاً فلكي يَكرَّ على خصمه مرة ثانية ليقضي عليه، أما التعامل هذه الأيام فهو مع سلطة مدنية مضطرة إلى التنازل عن شيء للوصول إلى توافق تسير معه السفينة، ولو اخترنا مائة في زمان المجلس العسكري، ووضعنا في الاعتبار أن هناك من تتعرض مصلحته للخطر بنجاح الثورة فإن هؤلاء لن يقبلوا الوصول إلى دستور أصلاً، فكان يمكن أن يستمر الشد والجذب لسنوات، أما الآن!! فقد وصلنا بالفعل إلى دستور، ويمكننا أن نبني عليه ما بعده، والخلاف حوله لا يعدو أن يكون خلافًا في صياغة عشرين مادة من مائتين وست وثلاثين.
أرجوكم!! أرجوكم!! أرجوكم!!! لا تغامروا بمستقبل البلد، استنادًا إلى الأمل في خروج دستور خال من العيوب، فهذا أمل يقترب من الوهم أو الخيال، يقابله مخاوف ومحاذير حقيقية من وقوف حال البلد ودخولها في دوامة من الفراغ والاقتتال والتناحر والتنازع بين القوي التي سينتخبها الشعب، ولا قيمة لمصلحة موهومة ولا ثبات لها أمام مفاسد ومحاذير يقينية!!!
بالله عليكم!! لا تنظروا لهذه الدعوة على أنها دعوة من خصم لكم، أو أن القبول بها يعني الهزيمة في الشارع، وتفكروا في مصر، ولا تخلطوا بين موقفكم من الإخوان وحزبهم، وموقفكم من بناء مصر وتقدمها، ولا تدخلونا في طريق أشبه بالمقامرة بكل ما نملك من ثروة وأمل؛ لأن الخسارة ساعتها تعني ضياع كل شيء!! ولي في الله أعظم الأمل أن يقر أعيننا بمصر الآمنة المطمئنة العامرة بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام.