أعلمُ أن هذه العبارة غيرُ محببة وغير مقبولة لدى الكثيرين من المحترمين، وحُقَّ لهم ذلك؛ لأنها قيلت أولَ ما قيلت من مجموعة- إنْ أحسنَّا الظن ببعضهم - من المخدوعين المساكين، وإلا فأكثرهم من الذين أدمنوا الذل والنفاق ومردوا عليه كما وصفهم الله تعالى، فكم سمعناها ومللناها، ورددها أولئك الذين خالفوا إجماع الملايين من الذين ثاروا على الظلم والطغيان والفساد والإفساد، وأيدهم الله بفضله وأحاطهم بلطفه، وأتى الله الظالمين والمفسدين من حيث لم يحتسبوا، فخرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم الخزي والهوان من حيث لا يشعرون. لكنني اليومَ أقولها بملء الفم وأعلمُ أن الكثيرين من الصادقين المخلصين المحبين لوطنهم ولأهلهم يقولونها ويشاركونني القول: آسفين يا ريس!
إنَّ الحكمَ على الأمور لا يكونُ صحيحًا في جميع الأوقات، وهذه مسلمة معلومة للعقلاء، لكن من السفه والحمق أن يظل الحكمُ ثابتًا على الدوام لمجرد الاختلاف والبغض والحقد والحسد. ومن الشجاعة والرجولة والشهامة أن يعترفَ المرءُ إذا أساء الفهم أو أساء الظن، لتلبيس أو لتدليس، أو لتجهيل أو لتضليل، أقول: من الشجاعة أنه إذا أخطأ في رأيه أو في فهمه للأمور حينا من الوقت، ثم تبين له الصواب والحق- رجع إليه وسلم به وله ولمن قال به مهما اختلف مع قائله، فهذه من الشجاعة والرجولة.
ولذلك أردد وأكرر (مع الكثيرين) كما أسلفتُ: آسفين يا ريس!
وشتان بين هذه وتلك، شتان بين من قيلت له أولاً، وبين من نقولُها له اليوم، شتان بين الظالم والمظلوم، بين المفسد والمصلح، بين الجاهل والعاقل، بين الصحيح والمعتل، بين المتكبر والمتواضع.
لقد ظلَّ الناسُ في بلادي زمنًا طويلاً يلفُّ حياتَهم النفاقُ العام، والخوف العام، والظلم والفساد، وألفوا ذلك وتعودوا عليه وعهدوه، وترسخ في العقول أن الفرعون الحاكم لا يُسأل عما يفعل، وأن الاقتراب منه أو من أي شيء يمسه أو يمس الأسرة المقدسة! خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه بأي حال من الأحوال.
وعاش الناسُ في بلادي أحيانًا من الدهر مُسْتخَفِّين مقهورين مستكينين، وكأنه قد ران على العقول والقلوب ما كسبت من الغفلة والاستخفاف والخنوع للطغاة، ويرحم الله الأستاذ الشهيد- بإذن الله تعالى- عندما قال في ظلاله: " فما يخدع الطغاةَ شيءٌ ما تخدعهم غفلةُ الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها. وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانًا، إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رءوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى!
من أجل هذا وأمثاله من تلك الممارسات التي ظهر بعضُها، وما خفي ولم يظهر بعدُ بالتأكيد أعظم وأخطر وأكثر وأفظع، فلذلك أقول مع القائلين بحق: آسفين يا ريس!
نأسف ؛ لأنك قلبت المعادلة، ولم تكن كالطغاة، وأعلنتها للملأ جهارًا نهارًا: ليس لي حقوق بل عليَّ واجبات.
ها أنت يا سعادة الرئيس تُنْتَقَدُ صباحَ مساءَ، بحقٍّ مرةً، وبغير حقٍّ مرات ومرات، بأدبٍ مرةً، وبغير أدبٍ مرات ومرات، ومع ذلك تُصْدر قانونًا يمنع حبس صحفي شتمك بأفظع السباب وشهَّرَ بك وبمن معك. ويسمع المحبون والملايين- ممن اختاروك عن حب وصدق وإخلاص لك وللوطن- من يسبك ويهينك على جميع الفضائيات، وفي الصحف التي تنتمي إلى فلول وبقايا النظام السابق ورجاله والمنتفعين والمتسلقين، ويملأ قلوب المحبين الغضبُ والأذى ويطالبونك بالحزم والغضب والانتصار بالحق ورد الأذى وكفه، لكنك لم تصدر قرارًا بالحظر أو المنع لأنك تخاف الله وحده، وتحذر من أن تظلم أو تنتصر لنفسك.
ولقد قلبت الموازين أيضًا، فلم يعد لأبنائك ولزوجتك ولذويك وللمقربين منك سلطان ولا ميزة على غيرهم من الشعب، كما كان العهد أيام العصابة السابقة التي جعلت البلد بحق "عِزْبَة" يمتلكها الحاكم وأسرته والبطانة المجرمة من حوله.
ولكنك تصر على أن تستمر في السكن في شقة بالإيجار وترفض أن تعيش في قصر الرئاسة، ويصر أبناؤك على التعليم والعمل كبقية الناس، فمنهم من يعمل طبيبًا في بلد عربي مثل أبناء الكثيرين من المصريين المهاجرين طلبًا للرزق الحلال الطيب، ومنهم من يعمل في مصر كبقية الناس، ولم تعد زوجة الرئيس هي السيدة الأولى التي يلتف حولها الوزراء والوزيرات يقبلون الأيادي، ويلتمسون الرضا، وتموت أختك في مستشفى حكومي بعد معاناة مع مرض عضال دون علاج استثنائي .
آسفين يا ريس! لما وصلت إليه الفئة الباغية قولاً وفعلاً، والتي لم تقف على حدود ولا خطوط، وقد غرَّها كرمُك وسعةُ صدرك وخوفُك من الله، فراحت تكذب وتتحرى الكذب وتفتري وتبغي، ومع ذلك تحاور وتحترم معارضيك وتلتقي بهم وتسمع لهم .
آسفين يا ريس! لأنك حرصت بكل قوة وثبات على إصدار دستور البلاد الذي ينقص من صلاحياتك ويوزعها على رئيس الوزراء والبرلمان، ليكون القول بحق للشعب ولمن يختارونه ليمثلهم وينوب عنهم، ومع ذلك تقلب الحقائق ويظهرك كارهوك وشانئوك على أنك تتحكم في السلطات كلها، وتريد أن تؤسس للاستبداد- زعموا- ولو كان هذا صحيحًا لكان العكس مما تحرص عليه من إجراءات فلك الله يا سيدي، ولك محبوك بحق وتجرد، لا يبغون منك تزلفًا ولا نفعًا، لكنهم يحاولون أن يعينوك كما طلبت: (أعينوني بقوة) .
نقولها بحق: آسفين يا ريس، نعلنها لله وللتاريخ وللوطن ولشخصك الكريم، مقدرين لك ما تبذل وما تفعل، نعلم ونوقن أنك ما سعيت لها ولا طلبتها لنفسك، ونوقن كذلك بعون الله لك ونصره لخطواتك وتسديده وتثبيته، تحقيق لوعد النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم حين قال لأحد أصحابه "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا". رواه البخاري.
سرْ يا سيدي على بركة الله؛ لتقود الأمة ومعك المخلصون الصادقون من الشرفاء العاملين المحبين، الذين لم يثنهم عن حبهم لك وللوطن كيدُ الكائدين، ولا افتراءُ المفترين، ولا تضليل المضلين، ولا انتحال المبطلين المجرمين، وقد ظهر ذلك جليًّا لكل من له عينان، في اختيارهم الأخير في الاستفتاء على الدستور، في ملحمة شعبية وطنية رائعة كما عبر عنها المنصفون في الداخل والخارج قالوا: موافقون، وقالوا: نعم، للاستقرار وللتقدم وللعبور وللنهضة التي أول خطواتها دستور وضعه الشعب لنفسه ورضيه للحكم بين السلطات، وحفظ الحقوق والحريات، وحدد الواجبات والمسئوليات على كل الفئات، فسرْ يا سيدي على بركة الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.
--------------------------
باحث بالمركز العالمي للوسطية ومحاضر بكلية التربية الأساسية- الكويت ahmdmousa100100@yahoo.com – mousa masood@facbook