تسعى بعض التيارات السياسية وأصحاب المصالح والمتضررون من إنجازات الثورة إلى زعزعة الاستقرار وإيجاد بؤر للصراع الداخلي بين أبناء الوطن الواحد، فكلما نضجت ثمرة للثورة واقترب الشارع لقطفها؛ إذ بأبواق الكذب تزعق وتنفر من تلك الثمرة، إنها ثمرة فاسدة، إنها ستكون سببًا في موتك؛ ولا نملك أمام هذا التكالب والخوف والتضليل إلا العودة بخفي حنين.

 

لم يفطن الشعب المصري حتى بعد قيام الثورة لما كان يحاك له عبر السنين الماضية، من مؤامرات نسجت خيوطها بليل أفكار صهيونية وصناعة أمريكية، وأيد مأجورة أتقنت غزلها لتطبق الخناق على رقاب أبناء هذا الشعب المقهور، فجعلوا الوطن رهنًا لنزواتهم وأطماعهم، ولم يشغلهم أن ينهض ويحيا أبناؤه حياة كريمة، أو يتردى به الحال ويعيش حياة الذل والفقر والمرض، حتى إن بلغ التآمر أن يتاجر بمقدراته وبمستقبله.

 

ولقد بلغ التآمر مبلغًا لم يصله الشيطان، حتى الثمرة التي سمح لنا بقطفها "مجلس الشعب"، وقبل انعقاده وحتى قبيل حله قيل فيه أكثر مما قاله مالك في الخمر، وأبت فضائيات الفتنة أن تذكر ما حققه البرلمان وما أقره من قوانين وما قدم أعضاؤه من طلبات إحاطة واستجوابات تفوق تأثير البرلمان خلال ثلاثين عامًا، بل بلغت الوقاحة إلى ما سمى "بمضاجعة الوداع"، وكل ذلك لا لشيء إلا لأنه إنجاز ثوري بنبض إسلامي.

 

لذا لم يكن غريبًا من أمثال هؤلاء أن يطالبوا أمريكا والاتحاد الأوروبي بسرعة التدخل في الشأن الداخلي المصري، وهذا ما يجعلني أتساءل: أي وطنية يدعيها هؤلاء؟!!، ليس غريبًا أيضًا من بعض رجال الأمن والقضاء والأعمال المنتفعين من النظام السابق، أن يستميتوا دفاعًا عما اكتسبوه من مال حرام، رافضين قرارات الرئيس مرسي، التي زلزلت الأرض من تحت أقدامهم، وكشفت مخططهم ورأى الناس فساد ذممهم وخراب ضمائرهم، فلا عجب الآن حينما رأينا من كان ينفق ببذخ ليعيد إنتاج النظام السابق، ولهذا يريدون منه التخلي عن قراراته بإشاعة أن الظروف غير مناسبة للاستفتاء على الدستور ومن ثم إجراء انتخابات برلمانية، في ظل انفلات أمني حاد، جزء كبير منه مصطنع تحت أعين بعضهم.

 

إن الحق في التظاهر إذا استخدم ضد الإرادة الشعبية، فهو دليل عجز عن فهم إرادة المصريين ومطالبهم الحقيقية في الحياة الكريمة وفي الاستقرار والشرعية، فهذه القوى التي ترفض قرارات الرئيس من أجل محاسبته على مستقبل لم يولد فجرة دون مبرر حقيقي لكي تبيح لنفسها عذرًا للنزول إلى الشارع من أجل التوتر وإثارة الضغائن، سوف تصبح قوى معزولة مسببة الكثير من المشكلات لنفسها ولغيرها، والحل هو المصالحة الوطنية الجادة التي يسعى لها الرئيس، وعلى القوى أن تكون إيجابية بمعنى أن تطرح أفكارها ورؤاها دون إجبار وابتزاز وعليها عدم استخدام سياسة لي الأذرع لإسقاط هيبته.

 

في تقديري أن ما يتعرَّض له الرئيس مرسي من مضايقات وما يدبر له من مكائد ومؤامرات؛ يهدف إلى عدم تمكينه من تحقيق ما يصبو إليه هذا المجتمع من رقي وتقدم ومن مصالحة ووفاق، فضلاً عن عدم منحه الفرصة الحقيقية لتقديم نفسه بالصورة اللائقة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على حقد دفين تمكن من نفوس البعض حتى أعماهم عن رؤية الحقيقية، وفي هذا يقول الشاعر:

كل العداوات قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عادك عن حسد