جاءتني هذه الرسالة من إنسان محترم يحب بلده ويحرص عليها، اسمه عادل بدوي، وقد أرسلها ردًا على رسالة أرسلها له الصحفي المعروف الأستاذ رجب الدمنهوري مرفقًا بها نسخة الدستور الجديد للقراءة والنقاش، وقد أرسل أ. عادل رسالته لأصدقاء الأستاذ رجب، ووصلتني الرسالة باعتباري أحد أصدقاء الأستاذ رجب الدمنهوري، ودار بيننا حوار نقلته هنا لتعميم الفائدة، قال الأستاذ عادل بدوي:
إلى صديقي العزيز الأستاذ رجب الدمنهوري وجمهور أصدقائه الأجلاء.. اعذروني في الرد فلكم آراؤكم ولي رأيي.. قد نختلف سياسيًّا لكن يبقى الحب والود وصال بيننا.
مع بدايات عمل اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور شكلت لجنة افتراضية على مجموعة (صوت الأغلبية) وقضينا بالتوازي معهم أيامًا وليالي؛ كنا نتناول مع أصدقاء من كل التوجهات مناقشة كل ما ينجزونه من مواد مادة مادة بشهية وطنية على اعتبار أنهم سيأخذون مقترحاتنا بعين الاعتبار كما زعموا.
وكنا بعد الانتهاء من مناقشة كل مادة نرسل تعديلات لمفردات وربما إعادة صياغة كاملة لبعض المواد على موقع اللجنة وما إن انتهينا معهم من باب الحقوق والحريات حتى فاجئونا بالمسودة كاملة في الوقت الذي لم يكن متاحًا على الموقع إلا باب واحد.. منذ ذلك الوقت أحبط الجميع وانفض.
ولأني كنت أعمل حسابًا لمثل هذه اللحظة الآن ولدواعي مهنية ولأنه دستور مصرنا الحبيبة تابعت المسودة الأولى ومن بعدها مسودة شملت تعديلات جديدة حتى المسودة الأخيرة التي بين أيدينا الآن وبعد قراءة سريعة- لن أقول متأنية لأننا تابعنا أغلب المواد لحظة ولادتها- خلصت مع أكاديميين إلى وجود عوار دستوري في ٣٢ مادة يجب ألا يتضمنها دستور مصر ما بعد الثورة.
كل ما سبق كأني لم أكتبه.. ولا تلتفتوا إليه لأن موقفي أبعد من مجرد رفض بعض المواد الآن ولكن ليعلم صديقي رجب- وكل الذين سيختلفون معي في الرأي- أنني تابعت وقرأت وفصلت وسهرت الليالي تلو الليالي على المواد فيما كان البعض يسخر مني ومن وقت يرون أنني أهدره في غير فائدة، وهو ما كان، فلم تلتفت اللجنة ليس لمقترحات حوالي عشرين شخصًا في مجموعتي فقط، بل لم تلتفت لمقترحات بعض الأعضاء أنفسهم، وزاد على ذلك إضافة ١٠ مواد لم تناقش وأضيفت بعد انتهاء المناقشة؛ لكن ضميري كان سعيدًا وأنا أقرأ وأتابع وأحرض أصحابي وزملائي على المشاركة.
أكرر كل ما سبق أيضًا ليس موضوعنا، أنا أرفض حتى مجرد الوقوع في فخ مناقشة مواد الدستور الآن واعتبره باطلاً دستوريًّا وشعبيًّا للأسباب التالية:
١- دستور ينسحب من لجنة صياغته كل القوى المدنية ومكون أصيل في المجتمع (الكنائس بأجنحتها الثلاثة) بااااطل.
٢- دستور يستأثر فصيل واحد (الإسلام السياسي) بصياغته ولو كان من أروع دساتير الدنيا بااااطل.
٣- دستور يستفتى عليه في ليلة ظلماء وبتهديد المعترضين على بعض المواد حتى من الإسلاميين بتمديد العمل ٤٨ ساعة جديدة ليتقلص عدد المعترضين على إحدى المواد من ١٦ إلى ٤ أعضاء.. بااااطل.
٤-دستور يسلق سلقًا، وتهرول الرئاسة ومؤيدوها إلى طرحه للاستفتاء خلال سواد الليل فقط للهروب من حكم المحكمة بحل اللجنة باااااطل.
٥- دستور نخير بينه وبين إعلان غير دستوري يخلق فرعون جديدًا يغل يد القضاء "أهم مؤسسات الدولة والعمود الأخير في خيمة الوطن".. فرعون قراراته لا تمس ولا يسمح لكائن من كان بالاعتراض عليها.. باااااطل.
٦- دستور ستخرج ملايين غدًا لرفضه بااااطل.
٧- دستور يلبس عباءة الدين ويخرج علينا خوارج العصر يهددون ويروعون الناس "بنعم" للدستور وإلا من يقول "لا " فهو كافر وفي رواية أخرى "خائن".
هذا جزء قليل مما سمح به شحن تليفوني في محطة انتظار لأبرهن لكم عن قناعاتي بمقاطعة دستور الإخوان والمقربين منهم، وأحذر كل من يقتنع بكلامي من مجرد الوقوع في فخ مناقشة مواد الدستور؛ لأن مجرد المناقشة ستضفي على هذه المسودة الباطلة الشرعية المفقودة.. لست متفائلاً حتى لأن أصوت ب(لا) ولكني ضد عوار تشكيل اللجنة من الأساس، وضد سلق الدستور من الأساس، وضد العجلة غير المبررة من الأساس، وكأنهم لصوص يتعجلون بفعلتهم قبل مطلع الفجر.. لهذا وغيرة الكثير سأقاطع الدستور الباطل وأحذر من فخ المشاركة حتى بلا.. ومع هذا سأحترم كل من يؤيد ويحشد لنعم ويحرض الناس على المشاركة في استفتائه.
لكن بربكم .. نحن انتخبنا رئيسًا لكل المصريين لنؤسس لدولة ديموقراطية حديثة تصون القانون وتحترم أحكام القضاء؟ أم انتخبنا خليفة للمسلمين لنبايعه بالسمع والطاعة وإنْ جلدنا وأخذ مالنا واستعبدنا.. لا تشوهوا الدين وانزعوا عن الدستور الاستبداد الديني بالجنة والنار ونثر التهم بالخيانة والعمالة.. وهذا دور النخبة العاقلة المثقفة المتنورة وأحسبكم جميعا هكذا.. أنا إنسان مصري وطني حر أمثل نفسي ومسئول عن آرائي، ولا تحملوني وزر أفعال أشخاص قد أتفق معهم فقط في ملامح مصر المدنية الديمقراطية القانونية الحديثة، ولست مسئولاً عن أفعال ومواقف أحد.. طابت أيامكم ولياليكم ولتعذروني على الإطالة.. أخوكم: عادل بدوي.
فرددت على رسالته وقلت: الأستاذ الفاضل عادل بدوي المحترم.. أحيي فيك موضوعيتك- رغم عدم معرفتي بك- وحبك لبلدك وحرصك على الحوار الراقي الذي ركز على الموضوع وناقشه دون أن يتعرض للبذاءات التي يمارسها البعض وكأن الثورية أخت البذاءة وسلاطة اللسان، وهذا ما يشجعني على حوارك علانية بموضوعية كما ناقشتَ وعارضت بموضوعية، وألخص مناقشتي في نقاط على الترتيب:
1. من قال لك إن كل القوى المدنية انسحبت من اللجنة؟ هل انسحاب 11 فردًا يهدد اللجنة وشرعيتها؟ وهل هناك دستور في العالم يحظى بإجماع كامل 100%؟ إذن فلسنا بشرًا أصحاب عقول ورؤى، فالرسول لم يجتمع عليه الناس، والله تعالى نفسه لم يؤمن به كل البشر، فكيف بلجنة دستورية تفصل في أمر خطير في ظروف دقيقة وأحوال صعبة؟ ولماذا استمر المنسحبون في اللجنة حتى اللحظة النهائية بما فيها الكنيسة وشاركوا في دستور "الإخوان" كما أسميته؟ أليس في هذا ما يثير الريبة؟ ولماذا تفاءلوا بتشكيل اللجنة الجديدة في البداية وتوافقوا عليها والعمل فيها وواصلوا الليل بالنهار؟ هذا لا يعني أنني لا أتمنى التوافق أو الإجماع، كما أن انسحاب فرد واحد يجب أن نهتم له، ومع هذا فإن مواصلة الليل بالنهار لم تكن في النهاية فقط وإنما كانوا يعملون في رمضان الفائت حتى الساعة الثالثة فجرًا.
2. لم يستأثر الإسلاميون بالدستور وأدعوك لاستعراض أسماء الأعضاء الذين استمروا وهم يزيدون على 85 عضوًا.. اقرأ أسماءهم لو تكرمت، حتى تعلم نسبة الإسلاميين فيهم.
3. أما الليلة الظلماء فلماذا لا تحمل هذا على أن الإسراع في التصويت عليه يؤدي إلى حفظ البلد وتخفيف الانقسام؟ أليس هذا واردًا وهو وجه حسن نحمل عليه الفعل؟ أم لا بد من تغليب لغة التخوين والاسترابة؟
4. هل الدستور مسلوق بعد أن أخذت كل مادة 300 ساعة مناقشة ومعارضة وحوارًا موصولاً حتى آخر ليلة، واستغرق ما استغرق من جلسات ولقاءات شعبية وجلسات عامة ومتخصصة أعلنها الغرياني في كلمته الشهيرة؟
5. إنني أتعجب من وصفك للإعلان الدستوري بأنه يخلق فرعون، هل الفرعون هو الذي يحافظ على المؤسسات ويعجل في تكوينها عن طريق إقرار الدستور وإن اعترضت عليه أقلية لها كل الاحترام في رأيها، أم أن الديكتاتور هو الذي لم يعتقل واحدًا ممن يعارضونه ويسيئون الأدب معه ويتطاولون عليه، بل يسبونه ويتهمونه بالخلل العقلي والمرض النفسي؟ أم أنك تريد أن تهدم كل مؤسسات الدولة عن طريق قضاة مبارك في المحكمة الدستورية الذين تركوا استقلالهم واشتغلوا بالسياسة؟ والذين تأكدت مؤامرتهم مع النائب العام وبعض قوى المعارضة عن طريق ثلاثة تقريرات رفعت للرئيس من ثلاث جهات مختلفة وتطابقت التقريرات؟ وهل الديكتاتور هو الذي يريد أن يكون ديكتاتورًا في ثلاثة أسابيع؟ أم أن من مصلحته ألا تكون هناك مؤسسات وتظل كل السلطات في يده؟
6. أما الملايين التي ستخرج لرفضه فالأيام بيننا وإن غدًا لناظره قريب.. وإن قل الموافقون على الدستور عن 70% فسوف أضم صوتي لصوتك.. مع كل التقدير لمن سيقولون لا.
7. أما ارتداء الدستور عباءة الدين فهل يضيرك أن يُضمَّن الدين بعدالته وحريته وكرامته في الدستور، وتقديره للمرأة والطفل وغير المسلمين؟ أظن أنك مسلم صادق الإسلام والإيمان وترجو أن يكون الدين ضابطًا لكل حركة في حياتنا.. وأنا أتعجب من قولك هذا وأنت الذي قرأت الدستور مادة مادة وتفاعلت معه تفاعلاً طيبًا محمودًا، ورأيت ما فيه من مواد تتشرف مصر أن يكون هذا دستورها؟ أما قضية التكفير فأنا أتحداك أن تقف لي على قول موثق أو تدلني على فيديو أو خبر حقيقي يصف من سيقول لا بالكفر أو الخيانة... لكنني قد أزعم أن هناك من يحب أن يكفره الناس ليكون شهيد الرأي وبطل المعارضة؟ وهذه نفوس تشعر بالنقص وتريد أن تعوضه بالعيش في المظلومية وتحت ظل الاضطهاد والتكفير، وليست إلا مجرد أوهام في رؤوسهم لا وجود لها على الواقع على الإطلاق.
أما مقاطعتك للدستور فهذا حقك الذي يجب أن يحترم وهو اختيارك ما دمت مقتنعًا به، ولكن الفرق واسع بين من يبني رأيه على حقائق واضحة وأدلة قاطعة وبراهين ساطعة، ومن يبني قراره على مجرد خبر مكذوب هنا أو رواية مختلقة هناك أو تمثل الآلة الإعلامية الجبارة ضغطًا على نفسه وعقله فتحمله على اعتناق رأي معين... وأظنك من النوع الأول الذي سيبني قراره على الحقائق لا على الأوهام!
وهذا لا يعني أن الدستور 100% لكنه أفضل ما وصل إليه مجموعة من أخلص رجال مصر في نظري، وتعديل أي مادة فيه وارد في مجلس الشعب القادم، فليس الدستور قرآنًا يتعبد به وإنما هو جهد بشر يسري عليه الصواب والخطأ.. وتقبل تقديري.
فرد الأستاذ عادل على ردي وقال: شكرًا جزيلاً على رسالتك الراقية دكتور وصفي، ويا ليت كل من يؤيدون الدستور وكل من ينتمون لتيار الإسلام السياسي في خلقك وموضوعيتك.. طبعًا كل المرتبطين معنا في رسالة الأخ العزيز رجب الدمنهوي أجلهم وأحترمهم لأني أعرف أغلبهم لكن هناك بعض الأصوات الشاذة من كل الطيف السياسي المصري تفرق ولا تجمع وتسيء لأنفسهم قبل ما تسيء للتيار الذي تنتمي إليه.
سأتخطى الأسباب الشخصية والهواجس التي حملها ردي الأول والذي كتبته في عجالة على الهاتف.. ومع التقدير لكل النقاط التي ذكرتها والتي تسحق ردًا مطولاً لا أود أن نزعج الآخرين به الآن لكن الأخ رجب آثر أن يربطنا بصحبة طيبة من أمثال حضرتك.. نقطة واحدة احتملت لبسًا ولا أتحفظ أبدًا على إصباغ الدستور وحياتنا كلها بصبغة دينية لأننا في النهاية أمة مسلمة ومصر متدينة بطبعها منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب عندما حمل عمرو بن العاص الإسلام إلى مصر. لكن تحفظي على من يربط بين "نعم" اللي تودي الجنة.. و"لا " اللي تودي النار.. وحضرتك أدرى ببساطة الأغلبية الساحقة من شعبنا العظيم التي– ربما- تصدق مثل هذه الهرطقات وما أكثرها.. وهي لا تحتاج إلى دليل أو مصدر أكثر من أن تكتب على "الجهبذ" جوجل أيًا مما تردد ليعطيك سيلاً من هذه الدعوات الفارغة.
فقلت له: مرحبًا بك وبحوارك الجاد المحترم... وهكذا بالموضوعية، والأدب في الاختلاف نصل لرأي جاد يمكن تطبيقه، ويحمل في نفسه مقومات الائتلاف والتعايش وما فيه الخير لمصرنا وأمتنا، وهذا ما ترجوه وأرجوه ونرجوه جميعًا.