كثيرًا ما يعيد التاريخ نفسه، وتتوالى الأحداث وتتشابه؛ وكأنَّ هذا التشابه تأتي به الأيام عن قصد منها لتخفف عنا ما نحن فيه من ألم، وتقرب لنا الأحداث من حيث نراها بعيدة، قرأت فيما قرأت من تاريخ الشعراء والأدباء؛ فوجدت قصة للشاعر بشار بن برد؛ وكان في صدر الدولة العباسية ولحق الدولة الأموية وهو صغير لم يُعرف بعد، وكان المشهور وقتها الشاعر "جرير" الذي ملأ الدنيا نقائض وهجاءً، حتى باتت تخافه الوحوش في الغابات لشدة نقده، فأراد بشار- وهو صغير السن والمكانة- أن يشتهر؛ ففكر في حيلة؛ ماذا يفعل ليشتهر؟ فقال إن الناس تذكر جريرًا؛ فلا بد أن أتعلق به؛ فأظهر معه، بل لا بد أن أهجوه؛ فأفتح به طريقًا واسعًا إلى الناس؛ فهجا جريرًا، وانتظر أن يرد عليه جرير؛ وتتناقل الناس الخبر، ولكن جريرًا لم يرد عليه واستصغره؛ فحزن، وقال: لو أجابني لكنت خير الناس؛ أي أنه لو رد علي لتناقل الناس خبرنا واشتهرت بشعري بين الناس؛ هكذا يرى الصغار أن خير وسيلة للظهور الهجوم على الكبار.
وما أشبه الليلة بالبارحة!!، وما أكثر البشارين الآن، الذين يتسلقون على أكتاف العظماء ويسبونهم لأجل الشهرة أو لأجل الظهور بدور البطل المغوار الذي يتصدى للكبار، وليته كان كذلك؛ ولكنه كان فأرًا في جحره يوم كنا نشتاق إلى كلمة حق عند سلطان جائر، واليوم حين أصبح السلطان عادلاً خرج لقول كلمة باطل في وجه سلطان عادل.
إن كثيرًا من الإعلاميين الآن يتشدقون بكل ما جمعوا من سوء أدب، ويتهجمون على العلماء والوزراء، بل على الرئيس نفسه، لقد أصبحت الشهرة الآن تتمثل في كمية السفالة وسوء الأدب التي يقدمها الإعلامي على أحد القادة أو المسئولين، خاصةً إن كان هذا المسئول من التيار الإسلامي.
إنَّ هؤلاء الذين كانوا يلعقون أحذية النظام السابق باتوا اليوم أصحاب حرية وإبداع وفكر، وغريب أن تكون عبدًا ثم تتحرر ولكنك تبقى على القيود معلقة في يديك، وكأنهم لا يصدقون أنهم أصبحوا أحرارًا، بل ربما لا يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن هناك من البشر من يتنفس العبودية ويتلذذ برائحتها النتنة؛ لأن خلايا جسده وفكره لا تنشط إلا بالسوط.
لم أقرأ في تاريخ العالم قديمًا ولا حديثًا ولا أعتقد أن يكون في المستقبل ما نجده الآن من سوء أدب من هؤلاء الإعلاميين الذين ينالون من رمز الدولة المصرية العظيمة، ينالون ممن دوَّخ أمريكا والكيان الصهيوني في غضون ثلاثة أشهر فقط، ينالون من عالم وباحث، ينالون من حافظ القرآن، ينالون من رجل غرهم أدبه وحلمه، ينالون من رئيس مصر وحاكمها، أي سفالة تلك!!، وأي سوء أدب ذلك!!، في أي الحارات تربوا هؤلاء؟ إن أصحاب الملاجئ الذين تربيهم "الدادات" أشرف من هؤلاء وأطهر، حقًا لا يعرف الرجال إلا الرجال.
والعجيب أنهم حين يتصدى لهم أحد، ويرد عليهم بأسلوبهم وشتائمهم؛ يحزنون ويغضبون؛ وكأنَّ سوء الأدب خُصص لهم وحدهم، ولا يريدون أحدًا أن ينازعهم فيه، صدق المعصوم.. "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".
والغريب أن تجد من العوام سمَّاعون لهم، يقفون معهم على كلماتهم، يرددونها خلفهم؛ كالأطفال في المدارس خلف أستاذهم ليحفظوها ثم يعودوا إلى أهلهم بها، غير أن الطفل يحمل علمًا، وهؤلاء يحملون كذبًا وبهتانًا، بئس الحامل والمحمول.
ولأجل هذا كله على كل من يملك بصرًا وبصيرة أن ينخل هذا الإعلام الفاسد الذي حشره فرعون في المدائن وجاءوا بسحر عظيم يذهب بعقول الناس، فعلينا أن نأخذ الحذر منهم، ولا نأخذ أخبارهم وترجماتهم ونقضهم ثم نلقيه في المجتمع فينبت شقاقًا وفرقة بين الناس.
إن هؤلاء فاتتهم عبودية مبارك، فباعوا أنفسهم للغرب والشرق؛ لأن الرئيس الجديد لا يستعبد البشر، رموا أنفسهم تحت أقدام الأجندات الخارجية، وباعوا الوطن بأرخص الأثمان، فهل بعد ذلك كله نعطل حياتنا ثم نجلس لنسمع من هؤلاء؟، أعتقد أنك أسمى من أن تقف على الجيف تستنشق روائحها، وأعظم من أن تسمع لسماسرة الأوطان، وتجَّاري لهو الحديث؛ ليضلوا به عن سبيل الله، والله أكبر، وتحيا مصر.
-------------
• مدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج.