مصر أهم دولة في العالم تاريخيًّا وقرآنيًّا.. أقدم حضارة وأقدم دولة مركزية، لا بد من استحضار هذا الثقل الاستراتيجي لنستطيع تقييم الأحداث الحالية.
فوصول رئيس ذي مرجعية إسلامية لأعلى منصب في أهم دولة نتيجة لثورة شعبية سلمية ثم انتخابات رئاسية نزيهة بعد انتخابات برلمانية نتج عنها اكتساح إسلامي، أمر لم يحدث من قبل ويمثل إنجازًا بشريًّا يعترف كل قادة ومفكري العالم بأنه أهم الأحداث التي ستؤثر على العالم؛ حيث وصلت أنظمة الحكم المسماة إسلامية للسلطة في بعض الدول بالانقلابات العسكرية "ليست ثورات سلمية". وبالتالي فالمشروع الإسلامي سيصبح بالفعل تحت الاختبار في أهم دولة مركزية، مما يعني أن كل ما يحدث في مصر من صراع يمثل أمرًا حتميًّا متوقعًا؛ حيث لا يمكن للقوي العلمانية الغربية أن تترك شعب مصر يختار حكامه لأن الرئيس المصري ليس أمامه إلا طريقين، لا ثالث لهما، متضادين تمامًا: إما الاستناد إلى الشعبية الداخلية أو الهيمنة الخارجية (كما فعل المخلوع) والطريق الأول يعني التوافق مع الثقافة الشعبية (المشروع الإسلامي) والمتعارضة تمامًا مع الطريق الثاني(المشروع العلماني) الذي يعني المصالح الأمريكية والتوسعات الصهيونية، ولذلك نجد أن الفريق المعارض (جبهة الإنقاذ) للرئيس لا يبحث عن الحوار مع الرئيس وصولاً لحل الأزمة، بل يبحث عن تصعيد الصدام لإزاحة الرئيس المنتخب وهدم المشروع الإسلامي، والبرادعي كان واضحًا في تصريحاته بمقاومته المشروع الإسلامي بكل السبل التي وصلت إلى التحالف مع رموز النظام البائد. والتجارب العالمية قد تكون مفيدة للغاية في هذه المرحلة الخطيرة.
الثورة الإيرانية: في خمسينيات القرن الماضي التي تلاعب بها العلمانيون العسكر والأمريكان "تاريخ يتكرر" ونجحوا في إعادة شاة إيران للحكم، فقام الشعب بموجة ثانية في السبعينيات ونجحت في التغيير الجذري. والتلاعب بثورتنا حاليًّا فاق كل شيء والمطلوب أن يستمر شعبنا إيجابيًّا ثوريًّا.
الجزائر: وصل الإسلاميون للحكم بالديمقراطية فتصرف بعض رموزهم وكأنهم سيقلبون الدنيا رأسًا على عقب لهدم كل الموجود فانزعجت التيارات الأخرى، مما شجع العسكر المدعومين من الخارج على عزل الرئيس المنتخب فحدثت موجات من العنف بين الإسلاميين والعسكر. وهذا مستبعد تمامًا في مصر بسبب المنهج السلمي للإسلاميين بالرغم من موقف العسكر غير الحاسم، الذي يتحدث عن انحيازه للشعب فقط دون ذكر الشرعية.
رومانيا: بعد نجاح الثورة في الإطاحة برأس النظام قام فصيل منشق عن الحزب الشيوعي (فلول) بتأسيس حزب جديد نجح في الانتخابات، مما أعاد الفلول إلى السيطرة على السلطة بسبب انقسام التيارات الثورية. وهذا سيكون أيضًا مستبعدًا في مصر لأن الدستور الجديد يعزل الفلول عن النشاط السياسي وهو أحد الأسباب الرئيسية للهياج العنيف للثورة المضادة حاليًّا لأن العزل يعني القضاء التام على شبكة وعناصر النظام البائد المتحالفة مع المشروع الغربي، والمقصود هو ضرورة الاستفادة من النماذج العالمية، فالتوافق بين القوى السياسية والاجتماعية ،المنحازة للإرادة الشعبية، لا بد أن يكون "فريضة شرعية وحتمية دنيوية" للحفاظ على أمن الوطن ونجاح الثورة، أما الرئيس فعليه ضرورة إعطاء الأولوية للتوافق الوطني والحفاظ على مسافة واحدة بينه وبين هذه القوى، بغض النظر عن الاختلافات الأيديولوجية، وكذلك ضرورة الحفاظ على الموجود النافع قبل بناء الجديد. فليست الثورة لهدم كل الموجود، ولقد كان إلغاء الإعلان الدستوري الأخير مع الاحتفاظ بموعد الاستفتاء يمثل نضجًا وطنيًّا أثبت للجميع أن المقصود كان فقط ضمان إقامة الاستفتاء وليس أي شيء آخر كما يروج المعترضون مثل أن الرئيس يريد أن يكون ديكتاتورًا جديدًا أو أنه ضد استقلال القضاء.
وكذلك على الأفراد والمجتمع ضرورة اعتبار أن نجاح الثورة وتحقيق النهضة هو دورهم ومسئوليتهم قبل أن يكون مسئولية الدولة والرئيس. ومن البديهيات الإسلامية أن تبدأ بنفسك في إطار الأمانة والكفاءة بالاهتمام بالأمر العام وليس فقط الخاص، فعلى الجميع ضرورة التجاوب مع الحراك السياسي الحالي والمشاركة في الاستفتاء الدستوري لدعم الشرعية واستكمال بناء النظام الجديد.
فإذا كانت مصر تستحوذ على الثقل الحضاري في منطقة الأحداث الإستراتيجية للصراع العالمي الذي يشكل حاليًّا موازين القوي الدولية الجديدة، فلا بد أن تكون الثورة المصرية نموذجًا يحتذى به في تحقيق الكرامة والنهضة الإنسانية، الأمر الذي لا بد أن ينعكس على المنطقة والعالم، وهو تشريف ما بعده تشريف وبقدره لا بد أن يكون التكليف لجموع المصريين.
-----------------
• رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com