في اليوم الثاني لاندلاع الانتقاضة الفلسطينية 30/9/2000 قتل جنود الصهاينة الطفل محمد الدُرَّة وأبيه أمام شاشات التليفزيون العالمية وهما يحتميان ببرميل ولم يكن في أيديهما شيئًا على الإطلاق. تألم ضمير الشرفاء لهذا الحادث الخسيس.
وعمد المال واللوبي اليهودي لتشويه وفبركة مضمون فيديو الحادث وظهرت رواية للأخرى تبين أنَّ المقتولين يهوديان وأن القتلة هم الفلسطينيون. والتاريخ يعيد نفسه كما يقول المؤرخون، وإن لم يكن بالضبط.
هذا القتل بدم بارد للشهيدين محمد الدُرَّة وأبيه تكرر عندنا في مصر مع الذين استشهدوا مساء 5/12/12 أمام قصر الاتحادية. ولكن هذه المرة القاتل والشهيد مصريون، والتشويه تم بأيد مصرية من النخبة.
تظاهر النخبة يوم الثلاثاء 4/12/12 عند قصر الاتحادية ثم انصرفوا وبقى عدد محدود منهم في اعتصام. وعندما ذهب بعض أنصار الإخوان إلى قصر الاتحادية يوم الأربعاء 5/12/12 انسحب المعتصمون قبل المغرب. وجد شباب الإخوان في خيام النخبة زجاجات خمر وسلاح وبنزين. بعد المغرب جاء البلطجية بتحريض النخبة وفلول الحزب الوطني السابق، وبدأوا مسلسل العنف والطوب وغيره واستخدم البلطجية الرصاص الحي والخرطوش. استشهد خمسة من الإخوان وأصيب أكثر من ثمانمائة برصاص النخبة حتى الساعة 3 فجر الخميس، ثم لحق بهم شهيد سادس الساعة 6 فجرًا. وقد شاهدنا في قناة (التحرير) احتماء مؤيدين للرئيس بأبواب خشبية من الرصاص الحي. هذا يذكرنا بمشهد احتماء محمد الدُرَّة بالبرميل أثناء إطلاق الرصاص عليه. واعتدى بلطجية النخبة على صبحي صالح ودخل العناية المركزية. فماذا كان موقف ورؤية الإعلام والنخبة من الأحداث؟. لقد تكرر حادث استشهاد الدُرَّة مرة أخرى، وتكرر التضليل والتعمية ولكن هذه المرة من نخبة المعارضة.
إنَّ الدُرَّة قتل مرة أخرى عندما نجد أنَّ إبراهيم عيسى يكتب في تغريدة له على الفيسبوك محرضًا بطريقة لئيمة على استبدال حرق مقار الحرية والعدالة والإخوان باستبدال ذلك والانتقال خطوة للأمام نحو إراقة دماء رموز إخوانية وسياسية، عندما يعلن بخبث ودهاء الشيوعيين القتلة فيقول في تغريدته " أنا ضد حرق مقررات لإخوان كفايا مقررات لحد كده محمد البلتاجي وخيرت الشاطر، هذا تحريض شيطانى على سفك دماء البلتاجى والشاطر بدلاً من حرق المقرات. هذا يعنى أنَّ قتل هؤلاء الشهداء صاحبه تحريض من إبراهيم عيسى لقتل السياسيين الإخوان، كأنه يحرض على قتل المصريين بطريقة السياسيين اليهود.
كل قنوات التليفزيون الخاصة طوال مساء 5/12، حتى مساء 6/12/12 ظلت تشير إلى أنَّ القتلى في جانب متظاهرى المعارضة، وظلت تدعى قتلوا برصاص الإخوان على خلاف الحقيقة. كأن مشهد تشويه اليهود لمقتل الدُرَّة يكرر نفسه مرة أخرى.
ويأتى دور الإعلام في التغطية على جرائم قتل البلطجية للإخوان. الغريب أنَّ مقدمة نشرة التلفزيون الرسمى 9 صباحا 6/12/12 لم تعرض لوجود قتلى رغم مرور أكثر من خمسة ساعات من مقتل الاشخاص الستة. وفى نهاية النشرة أشار المراسل عادل عبد الفتاح لوجود خمسة قتلى لم يحدد هويتهم للتعمية على المواطنين.
وتكتمل صورة التشويه الإعلامى في برنامج"ستوديو صباحك عندنا" بقناة المحور الساعة 10 صباحا 6/12/12، حيث قالت المذيعة اننا لا يمكن أن نسكت على قتل خمسة من المعارضة. وتقول المذيعة بروح التشفى إنَّ إصابة صبحى صالح جاءت ليدفع الجانب الآخر الثمن، فهى شوهت هوية القتلى وفى نفس الوقت كأن صبحى صالح من جنسية اخرى. هذا تنسيق بين التليفزيون المصرى والإعلام الخاص.
وعندما بدأت الحقائق عن هوية القتلى يمارس محمود سعد طريقة جلد الضحية بعد أن بدأت تتضح حقيقة هوية القتلى. حيث في برنامج "اخر النهار" بقناة النهار مساء الخميس 6/12/12 قال إنَّ الحرية والعدالة صرحوا بأن قتلى قصر التحدى يوم الاربعاء 5/12/12 من الإخوان. رغم أنَّ القتلى من الإخوان يلوم محمود سعد الإخوان أن يعلنوا ذلك، وللأسف لم يلوم محمود سعد في تلك الحلقة على قنوات المعارضة ورموز المعارضة بالمرة الذين ظلوا يومين كاملين يدعون زورًا أنَّ القتلى منهم. هل يريد محمود سعد أن تظل الصورة مشوهة وأن يعتقد الناس أنَّ الضحية هو الجلاد.
المعروف في كل العالم أنَّ الأكثرية هى التى قد تحاول اللجوء لحشر الأقلية المعارضة في ركن ضيق، وتشوه صورتها. بينما هنا في مصر بعد الثورة تريد المعارضة أن تحدد للأكثرية الطريقة التى يعبرون بها والتوقيت. وإذا خرجت الأكثرية عن هذا تلجأ الأقلية لرؤوس الأموال والغرب والإعلام المتخاذل في قلب الحقائق ليصبح الجانى مجنيا عليه. إنَّ هذا التشويه من الإعلام والنخبة للأحداث يقوم على فرضية خبيثة هى أنَّ الشعب سيعلم الحقيقة ولكن متأخراً. إنهم يراهنون على الوقت، لإضعاف حماس الشعب ضد الجناة الحقيقيين في الأحداث.
ومن جهة أخرى فإن المعروف في كل العالم أنَّ المعارضة هى التى تطالب بحقها في التظاهر والتعبير عن آرائها بالأساليب السلمية. ولكن للأسف في مصر أصبح فصيل الرئيس هو الممنوع من استخدام حقه في التعبير السلمى عن آرائه. وإذا تجرأت الأكثرية على التعبير عن آرائهم في الاتحادية تحرم عليهم لأن هناك بعض الخيام الفارغة تقريبا من المعارضة وحاجزين بها الميدان، مع أنَّ المعارضة حاجزين ميدان التحرير فأصبحت المعارضة بفلوس النظام السابق تحجز كل ميادين مصر الهامة مثل الطلاب الذين يحجزون معظم كراسى الفصول في الجامعة لزملاء قد لا يأتوا المحاضرة أصلاً. وعندما تذهب الأكثرية إلى تلك الأماكن تستنفر المعارضة بعضها وبلطجية النظام السابق ويقتلوا ويصيبوا المئات من الأكثرية بالرصاص الحى، ثم تعمل المعارضة والنخبة والإعلام على محورين هما: الادعاء بأن القتلى من المعارضة برصاص الإخوان، وتبرير القتل بطريقة لئيمة حيث يلومون الأكثرية على الذهاب إلى خيمات تحجز بها المعارضة قصر الاتحادية. ولا أدرى ماذا ستحجز المعارضة في المرة القادمة؟ وهل سيتم في القادم حجز الميادين بالِنيَّات بدلاً من الخيام الفارغة. هل دائما المرحوم غلطان؟.
-----------------
الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج