لا أدري كيف وصلت الحال بمثقفينا وإعلاميينا إلى ذلك المستوى المزري في سباق الكيد السياسي؟! ذلك ما شعرتُ به وأنا أتابع التحليل الذي قدمته استشارية الطب النفسي "منال عمر" للإعلامي محمود سعد في برنامجه اليومي؛ تعليقًا على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي؛ حيث استجمعت الطبيبة النابهة كل مهاراتها وجهدها وعلمها وهي تفرغ واحدة من نوبات السقوط الأخلاقي المزري؛ بمحاولة إقناع المشاهد الكريم بأن رئيس الجمهورية مريض نفسي، وعليه أن يتنحى! وهي هي نفس طريقة الساسة المفلسين الذين يطالبون برحيل الرئيس، ولم يكد يمر على انتخابه انتخابًا حرًا خمسة أشهر.

 

لم تستحِ الطبيبة وهي تسخِّر طبها وعلمها الذي من المفترض أن تحافظ عليه كأمانة حمّلها الله تعالى إياها دون أن تعرضه في سوق المتاجرة السياسية، ولن أقول بالطبع: إنني كنت أربأ بمحمود سعد أن يسقط هذه السقطة، ويتخذ من صحة الرئيس أو أي إنسان يتم تناوله في برنامجه مجالاً للعبث والمتاجرة السياسية، لا أقول: إنني أربأ به عن ذلك بعد ذلك السقوط اللا أخلاقي، ولقد باتت تلك عادة لدى أولئك الذين هووا بمهنة الكلمة إلى القاع، ولو أنهم محترفون لحرصوا على رصد مستوى عملهم باستقصاء ذلك في استبيانات علمية، ولكنهم يندفعون في حربهم غير الأخلاقية دون أن يلووا على شيء.

 

ولو سرنا على منوال الطبيبة العبقرية التي تسوق تحليلاتها على الهواء دون فحص مرضاها؛ لكان معظم سياسيي مصر من معارضي الأنظمة السابقة مرضى نفسيين؛ لأن عددًا كبيرًا منهم تشرَّف بمحنة السجون الظالمة؛ وبالتالي يكون حمدين صباحي الذي سُجن في مظاهرات جامعية في عهد مبارك، وعمنا الكبير- وفق ما يحلو لمحمود سعد- محمد حسنين هيكل الذي سجنه "السادات" وغيرهما من الشيوعيين؛ يكونون جميعًا مرضى نفسيين، ولكان الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا الذي سُجن ربع قرن من الزمان مريضًا نفسيًّا كذلك، وفق كلام الطبيبة العبقرية، ولكن الجميع يؤدون دورهم في الحياة العامة بكل كفاءة، فقد قاد نيلسون مانديلا جنوب إفريقيا بعد خروجه من السجن إلى بر الأمان، وظل زعيمًا كبيرًا في عين شعبه والعالم.

 

إن تاريخ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حافل بكثير من المغامرات التي ورّطت مصر في اليمن وغيرها من البلاد، والتي كسرت مصر في هزيمة يونيو عام 1967م، ولم يتوقف المحللون النفسيون ولا الإعلاميون أمام تلك المغامرات التي خربت مصر بالتحليل، ويكتفون بالوقوف أمام الصنم في حالة تقديس!

 

لقد تجاهل محمود سعد ومنال عمر كل تلك الحالات، وتوقفًا فقط أمام شخصية الرئيس مرسي ليكيلوا له هذه الاتهامات العلمية الطبية المغشوشة؛ احتجاجًا على إصدار الرئيس إعلانًا دستوريًّا قطع الطريق على مؤامرة كبرى كادت تعصف بكل شيء، وما زالت أذناب تلك المؤامرة قائمة.

 

بإمكان د. منال عمر الذهاب إلى أي شارع من شوارع مصر، وبالطبع ميدان التحرير، وتهتف بأعلى صوتها معبرة عن موقفها، ولكني أعتقد أنه ليس من حقها استخدام علمها وطبها في إلصاق التهم بخلق الله في إطار صراع سياسي هي طرف فيه، وطالما أنها تعلن وصفاتها المغشوشة على الهواء هكذا لتجريس الناس؛ فمن المؤكد أنها غير مستأمنة على مرضاها بعد أن فقدت أخلاق المهنة.

 

لست أبدًا في موقف الدفاع عن الرئيس، فليس هناك شيء يستحق الدفاع، ولا الرئيس نفسه في حاجة لدفاع مثلي أمام سباب ساقط ينهمر يوميًا وبكل الألوان، ولكني منشغل بغياب المهنة في التعبير عن الخلاف في الرأي؛ حيث يحل محلها العجرفة المرتجلة بسبِّ الناس دون ضابط، حتى رئيس الدولة! والسبب أن من أمن العقوبة أساء الأدب!

 

وبهذه المناسبة، أدعو السيدة منال عمر لتعيد مشاهدة حلقاتها مع محمود سعد، وتراقب حركات أيديها ورأسها وانفعالاتها طوال الوقت، وتحلل نفْسَها بنفْسِها ولنفسها!

------------------------

Shaban1212@gmail.com
كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية